أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها السنوي لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في أكثر من 100 دولة، محذّرة من تراجع عالمي في الديمقراطية، حيث يعيش نحو 72% من سكان العالم اليوم تحت أنظمة استبدادية. ويضع هذا السياق العراق ضمن مشهد عالمي أوسع يتّسم بتآكل الضمانات الديمقراطية وتراجع حماية الحقوق الأساسية.

وفي الحالة العراقية، يشير التقرير إلى أن البلاد حافظت على استقرار هش خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا الاستقرار لم ينعكس تحسناً ملموساً في أوضاع حقوق الإنسان. فقد ظل تدهور الخدمات الحكومية، والتدهور البيئي، واستمرار القمع وتقييد الحيّز المدني، إلى جانب تمرير تشريعات تقوّض الحقوق.

يتطرق التقرير الى خمسة محاور رئيسية تعكس طبيعة هذه الأزمة. ففي محور حقوق النساء والفتيات، يوضح التقرير أن الأعراف الأبوية لا تزال متجذّرة في الإطار القانوني، حيث يسمح قانون العقوبات بالإفلات من العقاب على العنف القائم على النوع الاجتماعي. ويبرز تعديل قانون الأحوال الشخصية، وإقرار مدوّنة الأحوال الشخصية الجعفرية من دون نقاش برلماني، بوصفه مثال واضح على تراجع مكتسبات قانونية تحققت بعد نضال طويل، فضلاً عن استمرار عجز البرلمان عن إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، ما يعكس غياب الإرادة السياسية لحماية النساء.

وفيما يخص رواتب إقليم كردستان والخدمات العامة، يربط التقرير بين الخلافات المالية والسياسية بين بغداد وأربيل وبين تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. فحجب الرواتب لم يكن إجراءً إدارياً فحسب، بل أداة ضغط سياسي انعكست مباشرة على الحق في التعليم والرعاية الصحية، ما يكشف هشاشة هذه الحقوق أمام النزاعات بين الحكومتين.

أما الحق في الكهرباء، فيقدّمه التقرير بوصفه نموذجاً لفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها الأساسية، إذ أدى ضعف البنية التحتية والاعتماد على مصادر طاقة غير مستقرة إلى انقطاعات واسعة، دفعت المواطنين للاعتماد على مولدات الديزل الملوِّثة، في انتهاك مزدوج للحق في الكهرباء والحق في بيئة صحية. وفي المقابل، يبرز نموذج إقليم كردستان عبر مشروع "روناكي" ك إجراء لمعالجة هذا الإخفاق.

وفي محور البيئة وحقوق الإنسان، يؤكد التقرير أن العراق، رغم كونه من أكثر الدول تأثراً بتغيّر المناخ، يواصل الإسهام في تفاقمه من خلال حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط، وما يترتب على ذلك من أضرار صحية جسيمة تطال المجتمعات المحلية، في ظل غياب المساءلة الفعلية للحكومة وشركات النفط.

أما فيما يتعلق بـ التوجّه الجنسي والهوية الجندرية، فيُظهر التقرير اتجاهاً تشريعياً واضحاً نحو تجريم الاختلاف وقمع الحريات الشخصية، عبر تعديل قانون "مكافحة البغاء" وفرض عقوبات قاسية بصياغات فضفاضة، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات والإفلات من العقاب.

ورغم شمول التقرير لهذه المحاور، فإن مقاربته لتقييد الحيّز المدني تبقى ناقصة، إذ لم يتناول بشكل مباشر واقع حرية الصحافة في العراق، ولا الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحفيون والصحفيات، بما في ذلك التضييق الأمني، والملاحقات القضائية، والاعتقالات. ويُعد هذا الغياب لافتًا، ولا سيما أن حرية الصحافة تمثّل مؤشرًا أساسيًا على حالة حقوق الإنسان، وأداة مركزية لكشف الانتهاكات التي وثّقها التقرير نفسه. وإضافة إلى ذلك، وثّقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة 182 انتهاكًا للحريات الصحفية.

 لقراءة التقرير الصادر من منظمة هيومن رايتس ووتش؛اضغط هنا