
خلال أيام قليلة، تحولت اعترافات وكيل وزارة النفط السابق، عدنان محمد حمود الجميلي، إلى واحدة من أوسع حملات الاعتقال المرتبطة بملفات الفساد في العراق منذ سنوات . فقد طالت أوامر القبض نواباً حاليين وسابقين، ومسؤولين في مؤسسات الدولة، بعد أن وردت أسماؤهم في التحقيقات، فيما أكدت مصادر رسمية استمرار تنفيذ أوامر قبض بحق متهمين آخرين . لكن أهمية هذه الحملة لا تكمن في عدد الموقوفين فحسب، بل في الأسئلة الوجودية التي تطرحها بشأن مستقبل إدارة ملفات الفساد في العراق، ومدى قدرة الدولة على كسر حلقة “الإفلات من العقاب” التي طالما حصّنت الفاسدين.
بدأت هذه الحملة الواسعة، التي انطلقت فجر الأحد 28 حزيران 2026، من اعترافات أدلى بها عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والمدير العام لشركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي، خلال التحقيق معه بتهم فساد مالي وإداري . وقد كشفت هذه الاعترافات عن شبكة واسعة من المتورطين، وامتدت لتشمل مداهمات في المنطقة الخضراء وبغداد ومحافظات أخرى . المبالغ المضبوطة كانت صادمة؛ حيث أعلن القضاء عن ضبط 10 ملايين دولار و31 مليار دينار عراقي مخبأة بطريقة رمزية وفاضحة في “تبن” داخل مزرعة تابعة للجميلي في أربيل . هذه الأرقام وطريقة إخفاء الأموال لا تكشف فقط عن حجم الفساد، بل عن استخفاف ممنهج بالمال العام، وتحويله إلى ثروات شخصية تُخبأ بعيداً عن أعين الرقابة.
ما يميز هذه الحملة عن سابقاتها هو امتداد إجراءات التوقيف لتشمل شخصيات سياسية وبرلمانية رفيعة المستوى. فقد وافقت رئاسة مجلس النواب على رفع الحصانة عن 19 نائباً متهمين بقضايا فساد، وهو إجراء نادر الحدوث في المشهد السياسي العراقي . وتشير المصادر إلى أن عدد المعتقلين من نواب ومسؤولين قد وصل إلى ما بين 17 و47 شخصاً، بينهم أسماء بارزة مثل النائب مثنى السامرائي . هذه التطورات، التي تتم بإشراف مباشر من رئيس الوزراء علي الزيدي، منحت الحملة زخماً سياسياً وإعلامياً واسعاً، ورفعت سقف التوقعات بشأن ما قد تصل إليه، خاصة وأنها انطلقت من اعترافات داخل ملف قضائي قائم، مما يمنحها أساساً قانونياً أقوى .
لكن التجربة العراقية المريرة مع ملفات الفساد تجعل الحكم على هذه الحملة سابقاً لأوانه. فقد شهد العراق خلال السنوات الماضية عشرات التحقيقات والإعلانات عن ملاحقة متهمين، إلا أن كثيراً منها انتهى من دون أحكام نهائية، أو توقف عند مستويات محددة، أو اصطدم بتعقيدات سياسية وقانونية حالت دون استكماله. لذلك، فإن السؤال الأهم اليوم ليس عدد المعتقلين، بل قدرة مؤسسات الدولة على تحويل هذه الاعتقالات إلى مسار قضائي متكامل يقوم على التحقيق، والمحاكمة، واسترداد الأموال العامة، وتنفيذ الأحكام عند ثبوت المسؤولية. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يُقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بقدرتها على إنتاج نتائج قضائية نهائية تعزز الثقة بسيادة القانون.
تطرح الحملة أسئلة لا تقل أهمية: هل ستتوسع التحقيقات لتشمل جميع الأسماء التي تكشفها الأدلة، بصرف النظر عن مواقعها السياسية؟ وهل ستخضع جميع الملفات للمعايير القانونية نفسها؟ أم أن الحملة ستتوقف عند حدود معينة، كما حدث في تجارب سابقة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الاعتقالات الحالية تمثل بداية تحول حقيقي في آليات مكافحة الفساد، أم أنها ستصبح حلقة جديدة في سلسلة حملات رفعت سقف التوقعات، قبل أن تتراجع آثارها مع مرور الوقت. يبقى المعيار الحاسم واحداً: لا تُقاس جدية مكافحة الفساد بحجم الضجة التي ترافق الاعتقالات، بل بقدرة الدولة على استكمال إجراءات العدالة حتى نهايتها، من دون انتقائية أو استثناء، وبما يعزز ثقة المواطنين بأن القانون يُطبق على الجميع بالمعايير نفسها.
