يشهد العالم تراجعاً غير مسبوق في الحريات الصحفية، حيث وثق تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026 وصول وضع الإعلام إلى أدنى مستوياته منذ ربع قرن. وفي هذا السياق العالمي القاتم، يبرز العراق كنموذج صارخ لبيئة العمل العدائية، حيث احتل المرتبة 162 من أصل 180 دولة، متراجعاً سبع مراتب دفعة واحدة، بينما انحدر ترتيبه عربياً إلى المرتبة الثالثة عشرة. هذا الانزلاق ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو انعكاس لسياسات ممنهجة تضيق الخناق على الفضاء المدني. 

إن تراجع العراق بهذا الشكل المتسارع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تضافر عوامل بنيوية تُرسخ “ثقافة الإسكات” وتُضعف الحماية القانونية: 

 1.مأسسة الإفلات من العقاب: يمثل غياب المساءلة الثغرة الأكبر في المنظومة الحقوقية؛ فحين يواجه الصحفي التهديد أو الاعتداء دون ملاحقة حقيقية للجناة، تتحول النصوص الدستورية إلى وعود معلقة، ويصبح “الصمت القسري” استراتيجية للبقاء في بيئة تفتقر للأمان الشخصي والمهني. 

2.تسييس المنابر الإعلامية: أدت هيمنة القوى السياسية ذات المرجعيات الأيديولوجية على المؤسسات الإعلامية إلى تحويل الفضاء العام إلى منصات للدعاية الحزبية. هذا التسييس لم يكتفِ بمصادرة التنوع، بل عمل على تضييق الهامش المتاح للصحافة الاستقصائية والنقدية التي تكشف ملفات الفساد. 

3.تغول السلاح المنفلت: يشكل السلاح الذي لا تحتكره الدولة تهديداً وجودياً للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. إن التحقيق في قضايا النفوذ المسلح في العراق بات مغامرة قد تكلف الحياة، في ظل غياب مظلة حماية فعلية تصون حرية العمل الميداني. 

4.توظيف القوانين الفضفاضة: تمنح المواد القانونية المبهمة — كتلك المتعلقة بـ “المساس بالنظام العام” أو “إهانة المؤسسات” — السلطات أداة مرنة لملاحقة الأصوات الناقدة. إن هذا “القمع المقنن” يتيح تكميم الأفواه بأثواب قانونية، مما يفرغ الديمقراطية من جوهرها الرقابي. 

ما يكشفه تقرير “مراسلون بلا حدود” لعام 2026 هو فشل المنظومة القائمة في توفير الحد الأدنى من ضمانات العمل الصحفي. إن البيئة الحالية في العراق لم تُبنَ لحماية الصحفي، بل يبدو أنها صُممت في كثير من جوانبها لإخضاع الكلمة لإرادة السلطة والقوى الموازية لها. 

إن استمرار هذا التراجع ينذر بتحول العراق إلى “منطقة صمت” حقوقية. إن استعادة التوازن تتطلب أكثر من مجرد إدانات دولية؛ إنها تستوجب إصلاحاً تشريعياً جذرياً يُلغي تجريم الرأي، وإرادة سياسية حقيقية تنهي حقبة الإفلات من العقاب. سيبقى الدفاع عن حرية الصحافة هو المعركة المركزية لحماية ما تبقى من حقوق المواطنة والكرامة الإنسانية في العراق. 

اقرأؤا التقرير المعد من مراسلون بلا حدود حول مؤشر حرية الصحافة في العالم؛اضغط هنا