ملخص تنفيذي 

أُنشئت هيئة الإعلام والاتصالات في العراق عام 2004 بوصفها مؤسسة تنظيمية مستقلة، تتولى إدارة قطاعي الإعلام والاتصالات، وتعمل على تعزيز التعددية والمنافسة وحماية حرية التعبير. ونصّ الإطار القانوني المؤسس لها على الاستقلال عن الحكومة والجهات الخاضعة لتنظيمها، وربط ممارسة صلاحياتها بمبادئ الشفافية والتناسب والإجراءات القانونية السليمة، مع الاسترشاد بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 

غير أن الممارسات التي تطورت خلال السنوات اللاحقة تكشف عن فجوة متزايدة بين هذا التفويض التأسيسي والدور الذي تمارسه الهيئة فعلياً. فبدلاً من حصر تدخلاتها في تنظيم السوق الإعلامية، والترددات، والتراخيص، وحماية المنافسة، اتسع نطاق قراراتها ليشمل مراقبة المضامين الإعلامية، وإيقاف البرامج، ومنع ظهور إعلاميين ومحللين، وفرض الغرامات والإنذارات على المؤسسات الإعلامية. 

وازداد هذا التوسع وضوحاً بعد اعتماد لائحة قواعد البث الإعلامي عام 2019، ثم امتد لاحقاً إلى المجال الرقمي، من خلال محاولة إخضاع المدونين والمؤثرين والمنصات الإلكترونية لضوابط صُممت أساساً لتنظيم مؤسسات البث المرخصة. كما بدأت الهيئة، عبر ما يُعرف بـ«نقطة الاتصال الوطنية»، التنسيق مع شركات التكنولوجيا بشأن تقييد المحتوى وإدارة الطلبات القانونية المتعلقة بالمنشورات والحسابات داخل العراق. 

لا يعترض هذا التقرير على وجود هيئة تنظيمية لقطاع الإعلام والاتصالات، ولا على مسؤولية الدولة في التعامل مع التحريض المباشر على العنف أو التهديدات الحقيقية أو المحتوى غير المشروع وفق القانون. إنما تتمثل الإشكالية في غياب الحدود الدقيقة بين التنظيم والرقابة، واستخدام مفاهيم فضفاضة مثل «الذوق العام» و«أخلاق المجتمع» و«المحتوى المخالف» لتقييد تعبير مشروع أو نقد سياسي وصحفي. 

ويخلص التقرير إلى أن استعادة الدور المشروع للهيئة تتطلب تعزيز استقلالها المؤسسي، وإعادة ضبط صلاحياتها، وضمان خضوع قراراتها لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، والفصل بين تنظيم وسائل البث المرخصة ومراقبة التعبير الفردي على المنصات الرقمية. 

 

المنهجية ونطاق التقرير 

يعتمد التقرير على مراجعة الأمر التشريعي رقم 65 لسنة 2004، ودستور جمهورية العراق لعام 2005، والسجلات المنشورة لهيئة الإعلام والاتصالات ومجلس النواب، إلى جانب تقارير منظمات محلية ودولية متخصصة في حرية الصحافة والتعبير. 

يمتد نطاق الرصد من تأسيس الهيئة عام 2004 حتى النصف الأول من عام 2026. ولا يقدم التقرير تقييماً موضوعياً لمضمون كل برنامج أو منشور عوقب بصورة منفردة، لعدم نشر الهيئة، في حالات كثيرة، النصوص الكاملة للقرارات والأدلة وأسباب العقوبات وآليات الاعتراض عليها. 

أولاً: التفويض التأسيسي للهيئة 

تأسست هيئة الإعلام والاتصالات بموجب الأمر التشريعي رقم 65 الصادر في 20 آذار 2004. وقد جاء تأسيسها في سياق محاولة الانتقال من نموذج الإعلام الحكومي الموجّه إلى بيئة إعلامية تعددية، تُدار من خلال مؤسسة مستقلة لا تخضع مباشرة للسلطة التنفيذية أو لمصالح الجهات التي تتولى تنظيمها. 

وحدد الأمر التشريعي عدداً من الأهداف الأساسية للهيئة، من بينها دعم التعددية والمنافسة في قطاع الإعلام، وحماية مصالح الجمهور، وتعزيز حرية وسائل الإعلام ودورها الرقابي، والعمل بوصفها جهة تنظيمية مفتوحة وشفافة. كما اشترط أن تكون قراراتها موضوعية وغير تمييزية ومتناسبة مع الأهداف المراد تحقيقها، وأن تُتخذ وفق الإجراءات القانونية السليمة. 

ونص الأمر أيضاً على أن تسترشد الهيئة بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحمي حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها، ولا تجيز تقييد هذه الحقوق إلا بموجب قانون واضح، ولغرض مشروع، وبالقدر الضروري لتحقيقه. 

وعزز دستور عام 2005 هذا المركز القانوني، إذ نص في المادة 103 على أن هيئة الإعلام والاتصالات هيئة مستقلة مالياً وإدارياً وترتبط بمجلس النواب. كما تكفل المادة 38 حرية التعبير عن الرأي، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. 

وبذلك، لم تُنشأ الهيئة لتكون وزارة إعلام بديلة أو جهازاً لتوجيه الخطاب العام، بل مؤسسة لتنظيم القطاع وحماية استقلاله، ضمن حدود قانونية تمنع تحول السلطة التنظيمية إلى رقابة سياسية أو أخلاقية على المحتوى. 

ثانياً: استقلال قانوني لم يتحول إلى ضمان مؤسسي 

يتطلب الأمر رقم 65 أن يتمتع رئيس الهيئة وأعضاء مجلس المفوضين بالاستقلال، وألا يشغلوا مناصب في أحزاب سياسية أثناء مدة خدمتهم، وألا تكون لهم مصالح مالية أو مهنية في المؤسسات التي تخضع لرقابة الهيئة. 

أما من ناحية التعيين، فيمنح الأمر رئيس مجلس الوزراء صلاحية تعيين رئيس مجلس المفوضين وأعضائه، شريطة موافقة الأغلبية في السلطة التشريعية. كما يمنح السلطة التشريعية صلاحية إنهاء عضوية أحد المفوضين بأغلبية الثلثين، وفي حالات محددة ينص عليها القانون. ويختلف ذلك عن القول إن التعيين والإقالة من اختصاص مجلس النواب وحده. 

لكن الاستقلال المؤسسي لا يتحقق بمجرد النص على هذه الترتيبات. فهو يتطلب أيضاً عملية اختيار علنية وتنافسية، ومعايير معلنة للكفاءة، والكشف عن المصالح المالية والسياسية، وجلسات استماع عامة، وآليات تمنع المحاصصة الحزبية أو تضارب المصالح. 

في آذار 2025، انتخب مجلس المفوضين بلاسم سالم رئيساً، وأمطار المياحي نائباً أول، ودانا أسعد نائباً ثانياً. وفي كانون الثاني 2026، باشر بليغ أبو كلل مهامه رئيساً للجهاز التنفيذي للهيئة. إلا أن السجلات المنشورة لا تتيح للجمهور معلومات تفصيلية كافية عن معايير الاختيار والمفاضلة، أو إجراءات التحقق من الاستقلال وتضارب المصالح. 

وتتجاوز المشكلة أسماء المسؤولين الحاليين. فغياب نظام تعيين شفاف يجعل استقلال الهيئة عرضة للتشكيك، حتى عندما لا يثبت وجود تدخل مباشر في قرار معين. كما أن استمرار غياب قانون متكامل ينظم عمل الهيئة بعد أكثر من عقدين من تأسيسها يترك بنيتها وصلاحياتها خاضعة لأمر انتقالي صدر عام 2004، ولتفسيرات مؤسسية متغيرة. 

أنهى مجلس النواب القراءة الأولى لمشروع قانون هيئة الإعلام والاتصالات في شباط 2023، لكن المشروع لم يتحول إلى قانون نافذ. وفي عام 2026، كانت اللجنة النيابية المختصة لا تزال تناقش مسودة القانون وتطلب ملاحظات الهيئة بشأنها. ويعني ذلك استمرار العمل بالأمر رقم 65 إلى حين صدور تشريع يحل محله. 

ثالثاً: من تنظيم القطاع إلى مراقبة المضمون 

تمتلك الجهات المنظمة للإعلام، من حيث المبدأ، صلاحيات تتعلق بمنح تراخيص البث، وإدارة الترددات، ومنع الاحتكار، وتنظيم المنافسة، وحماية الجمهور من الاستخدام غير المشروع للطيف الترددي. وقد تشمل هذه الصلاحيات وضع قواعد مهنية محددة للمؤسسات التي تستخدم موارد عامة محدودة، مثل الترددات الإذاعية والتلفزيونية. 

لكن الإشكالية تبدأ عندما تنتقل الجهة المنظمة من إدارة القطاع إلى التدخل الواسع في محتوى النقاش العام، أو عندما تستخدم قواعد غير محددة لمعاقبة الآراء والانتقادات التي لا تتضمن تحريضاً مباشراً على العنف أو جريمة واضحة المعالم. 

في أيار 2019، اعتمدت هيئة الإعلام والاتصالات لائحة قواعد البث الإعلامي بالقرار رقم 8، بحضور ممثلين عن مكتب اليونسكو في العراق ونقابة الصحفيين ومؤسسات إعلامية ومدنية. ولا يعني حضور هذه الجهات أنها أقرت جميع مواد اللائحة أو تطبيقاتها اللاحقة. 

تقدم الهيئة اللائحة باعتبارها أداة لتنظيم البث، وتعزيز المعايير المهنية، ومنع التحريض وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة. غير أن تطبيقها اتسع لاحقاً ليشمل قرارات بإيقاف برامج، ومنع ظهور أشخاص، وتغريم مؤسسات إعلامية، وإصدار إنذارات استناداً إلى تقييم مضمون الخطاب، وليس فقط إلى مخالفات تقنية أو ترخيصية. 

وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في عدم وضوح الحدود الفاصلة بين الخطأ المهني، الذي يمكن معالجته من خلال التصحيح وحق الرد وآليات التنظيم الذاتي، وبين المخالفة القانونية التي تستوجب عقوبة إدارية أو قضائية. كما لا تنشر الهيئة بصورة منتظمة قاعدة بيانات متكاملة تتضمن جميع قراراتها، والأدلة المستند إليها، وأسباب اختيار العقوبة، ونتائج الاعتراض أو الطعن. 

ويحذر الصحفي والحقوقي ساطع عمار، من مناقشة قرارات المنع كما لو أن إصدارها يدخل تلقائياً ضمن صلاحيات الهيئة، معتبراً أن السؤال الأول يجب أن يتعلق بمشروعية القرار والأساس القانوني الذي استند إليه. 

هذه المسألة جوهرية؛ لأن امتلاك جهة عامة صلاحيات تنظيمية لا يمنحها تفويضاً مفتوحاً للتدخل في كل مضمون إعلامي. ويجب أن يبقى كل تدخل خاضعاً لنص قانوني محدد، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً، وأن يتيح للمتضرر الاطلاع على أسباب القرار والطعن فيه أمام جهة مستقلة. 

رابعاً: تصاعد القرارات المقيدة للعمل الإعلامي 

تظهر تقارير الرصد الحقوقي اتساع دور هيئة الإعلام والاتصالات في تقييد العمل الصحفي خلال السنوات الأخيرة. 

وثقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق 182 انتهاكاً لحرية الصحافة خلال عام 2025، شملت الاعتقال والاحتجاز، والمنع من التغطية، والاعتداءات، والدعاوى القضائية، والتهديدات، وإيقاف البث. ونسبت الجمعية 21 حالة منها مباشرة إلى قرارات أو إجراءات اتخذتها هيئة الإعلام والاتصالات. 

وفي رصد منفصل شمل الفترة من 1 كانون الأول 2025 إلى 31 أيار 2026، أحصت الجمعية 30 قراراً صادراً عن الهيئة. وشملت هذه القرارات إيقاف خمسة برامج سياسية، وتوجيه إنذارات إلى مؤسستين إعلاميتين عربيتين، وفرض غرامات على ثلاث مؤسسات، فضلاً عن قرارات أخرى تضمنت منع أو تقييد ظهور إعلاميين ومحللين استناداً إلى لائحة قواعد البث. 

لا تثبت هذه الأرقام وحدها عدم قانونية جميع القرارات؛ فقد تكون بعض التدخلات مرتبطة بمخالفات حقيقية أو محتوى يحرض على العنف. لكنها تكشف عن حجم سلطة الهيئة على المجال الإعلامي، وتؤكد الحاجة إلى نشر الأساس القانوني والوقائع التي تبرر كل عقوبة، وبيان سبب اعتبارها الوسيلة الأقل تقييداً لحرية التعبير. 

كما يجب التمييز بين مساءلة مؤسسة إعلامية عن التزامات واضحة قَبِلت بها عند حصولها على رخصة بث، وبين منع شخص بعينه من الظهور الإعلامي. فالعقوبات التي تستهدف الأشخاص، لا المخالفة المحددة فقط، تثير مخاوف أكبر بشأن التناسب وإمكان استخدامها لإقصاء أصوات ناقدة من المجال العام. 

وتصف الصحفية زينب المشاط أثر هذه البيئة بقولها إن الصحفي بات يسأل باستمرار عن احتمال توقف مؤسسته أو منع ظهوره، من دون أن يعرف على وجه الدقة أين تبدأ المخالفة وأين تنتهي. وتعكس هذه الشهادة ما يُعرف بـ«الأثر المُثبّط»؛ أي دفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية وتجنب موضوعات مشروعة خوفاً من عقوبات لا يمكن توقعها بوضوح. 

خامساً: إعادة تعريف حرية التعبير أخلاقياً 

تمنح المادة 38 من الدستور العراقي الدولة مسؤولية كفالة حرية التعبير والصحافة «بما لا يخل بالنظام العام والآداب». لكن مفهومي النظام العام والآداب لا يشكلان تفويضاً غير محدود لتقييد التعبير، ولا يجوز استخدامهما بمعزل عن بقية أحكام الدستور والتزامات العراق الدولية. 

وتنشأ المشكلة عندما تتحول حرية التعبير من حق قانوني تكون القيود عليه استثنائية إلى ممارسة مشروطة بتقدير الجهات الرسمية لما تعتبره مقبولاً أخلاقياً أو اجتماعياً. فمصطلحات مثل «الإساءة إلى الذوق العام» و«مخالفة أخلاق المجتمع» و«الإضرار بالسلم المجتمعي» قد تمتد، في غياب تعريفات دقيقة، لتشمل النقد السياسي أو السخرية أو الآراء غير الشعبية. 

لا يمنع القانون الدولي الدولة من التعامل مع التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف، لكنه يشترط وجود علاقة واضحة بين التعبير والضرر المحتمل، وأن يكون التدخل ضرورياً ومتناسباً. ولا يكفي أن يكون الخطاب صادماً أو مسيئاً أو مخالفاً لرأي الأغلبية لتبرير منعه. 

ويرى ساطع عمار أن النظام السياسي بدأ، بعد احتجاجات عام 2019، بالتعامل مع الحرية بوصفها مصدراً للتهديد، لا جزءاً أساسياً من النظام الديمقراطي. وبحسب قراءته، رافق ذلك اتجاه نحو إعادة تعريف حرية التعبير وفق معايير أخلاقية واجتماعية غير واضحة. 

هذه الإفادة تمثل تحليلاً سياسياً لا حقيقة قانونية مثبتة، لكنها تساعد على تفسير المخاوف التي يعبّر عنها الصحفيون بشأن الانتقال من تنظيم المخالفات المحددة إلى ممارسة وصاية أوسع على مضمون النقاش العام. 

سادساً: امتداد التنظيم إلى الفضاء الرقمي 

لم يعد تدخل هيئة الإعلام والاتصالات مقتصراً على القنوات الإذاعية والتلفزيونية. فقد بدأت الهيئة خلال السنوات الأخيرة توسيع دورها في تنظيم المنصات الرقمية والتعامل مع المحتوى المنشور في مواقع التواصل الاجتماعي. 

وفي أيلول 2024، عقدت الهيئة، عبر «نقطة الاتصال الوطنية»، اجتماعاً مع مسؤولة السياسات العامة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة ميتا. ووفق بيان الهيئة، تناول الاجتماع توثيق الحسابات الحكومية، والمحتوى المرتبط بالإرهاب وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة، فضلاً عن المحتوى الذي تعتبره الجهات العراقية مخالفاً لأخلاق المجتمع والذوق العام. 

وفي عام 2023، أثار مشروع سابق لتنظيم المحتوى الرقمي اعتراض اثنتي عشرة منظمة معنية بحرية التعبير والحقوق الرقمية. وانتقدت المنظمات استخدام تعابير فضفاضة، مثل «المحتوى الهابط» و«الذوق العام»، واعتبرت أن المشروع يمنح الهيئة صلاحيات تتجاوز ولايتها القانونية، ويمكن أن يقيد التعبير المشروع على الإنترنت. 

وعادت الهيئة خلال عام 2026 إلى التأكيد على أن قواعدها المهنية لا تقتصر على الإعلام التقليدي، بل تشمل المدونين والمؤثرين والمشاهير والمنصات الرقمية. كما أجرت لقاءات وورشاً بشأن إعداد إطار لتنظيم المنصات الإلكترونية والتعاون مع شركات التواصل الاجتماعي. 

يطرح ذلك سؤالاً قانونياً أساسياً: هل يمكن تطبيق القواعد الموضوعة لمؤسسات البث المرخصة على الأفراد الذين يستخدمون حساباتهم الشخصية؟ 

تخضع القنوات الفضائية والإذاعية لنظام ترخيص خاص لأنها تستخدم ترددات عامة ولها تأثير إعلامي مؤسسي. أما المستخدم الفرد فلا يتحول إلى مؤسسة بث لمجرد أن منشوره وصل إلى جمهور واسع. ولذلك، فإن إخضاع الصفحات الشخصية والمنصات المستقلة للقواعد نفسها يتطلب أساساً تشريعياً واضحاً وضمانات تختلف عن نظام التراخيص التقليدي. 

وفي عام 2025، وثقت منظمة ARTICLE 19 تقييد الوصول داخل العراق إلى منشورين على فيسبوك تناولا ادعاءات تتعلق بالفساد القضائي، بعد طلبات قانونية ارتبطت بتهديدات بفرض تدابير على إعلانات شركة ميتا وخدمات الدفع التابعة لها. وبحسب المنظمة، أكدت ميتا أن المنشورين لم يخالفا معايير مجتمعها، لكنها قيدت ظهورهما جغرافياً استجابة للطلبات القانونية العراقية. 

تكشف هذه الحالة عن بُعد جديد للرقابة: فبدلاً من حذف المحتوى عالمياً، تستطيع الجهات الحكومية استخدام القنوات القانونية والتنظيمية لحجبه داخل العراق، حتى عندما لا ترى المنصة نفسها أنه يخالف قواعدها. ومن دون شفافية بشأن الجهة التي طلبت التقييد، والنص القانوني المستخدم، وفرص الاعتراض، يصعب على الجمهور تقييم مشروعية الإجراء. 

سابعاً: تقييم الممارسات وفق معايير حرية التعبير 

تخضع القيود المفروضة على حرية التعبير، بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لاختبار يتكون من ثلاثة شروط مترابطة: 

  1. الشرعية

يجب أن يستند القيد إلى قانون منشور، واضح، ومتاح للجمهور. وينبغي أن يتمكن الصحفي أو المستخدم من توقع السلوك الذي قد يعرضه للمساءلة. 

لا تحقق العبارات الفضفاضة هذا الشرط عندما تسمح للجهة التنظيمية بتحديد معناها من حالة إلى أخرى. فمصطلحات مثل «الذوق العام» أو «المحتوى غير اللائق» لا توفر وحدها معياراً دقيقاً يمكن تطبيقه بصورة متسقة. 

  1. الغرض المشروع

يجب أن يهدف القيد إلى حماية أحد الأغراض المحددة في القانون الدولي، ومنها حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة. 

ولا يكفي ذكر أحد هذه الأغراض بصورة عامة؛ بل يجب توضيح الضرر المحدد الذي تسبب فيه التعبير أو يُرجح أن يتسبب فيه، والعلاقة المباشرة بينه وبين التدخل المطلوب. 

  1. الضرورة والتناسب

ينبغي أن يكون التدخل ضرورياً في مجتمع ديمقراطي، وأن يمثل الوسيلة الأقل تقييداً للحق. لذلك، يجب النظر في بدائل مثل التصحيح، وحق الرد، والتنبيه، أو فرض متطلبات شفافية، قبل اللجوء إلى الإيقاف أو الحجب أو منع الأشخاص من الظهور. 

وتزداد أهمية هذا الشرط عندما يتعلق المحتوى بشخصيات عامة أو قضايا فساد أو أداء مؤسسات الدولة، لأن مساحة النقد المسموح به في الشؤون العامة يجب أن تكون أوسع من المساحة المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد. 

  1. الإجراءات القانونية والحق في الطعن

يجب إخطار المؤسسة أو الشخص بالمخالفة المنسوبة إليه، وإتاحة الأدلة، ومنحه وقتاً كافياً للرد، وإصدار قرار مكتوب ومسبب، وضمان الطعن أمام جهة مستقلة. 

ورغم أن الأمر رقم 65 يتضمن ضمانات تتعلق بالإخطار والاستماع والمراجعة والطعن، فإن عدم نشر الهيئة تفاصيل تطبيق هذه الإجراءات في جميع الحالات يحول دون تقييم مدى الالتزام الفعلي بها. 

  1. استقلال الجهة التنظيمية

لا يمكن لجهة تنظيمية أن تحمي التعددية إذا كانت قراراتها معرضة للنفوذ التنفيذي أو الحزبي أو لمصالح الجهات التي تنظمها. ويشمل الاستقلال الحقيقي طريقة اختيار المسؤولين، وأمنهم الوظيفي، والتمويل، وشفافية القرارات، والقدرة على مقاومة الضغط السياسي. 

 

الخلاصة 

تكشف مسيرة هيئة الإعلام والاتصالات عن تناقض متزايد بين النص المؤسس والممارسة. فقد صُممت الهيئة بوصفها مؤسسة مستقلة تحمي تعددية الإعلام وتنظم السوق وفق قواعد شفافة، لكنها أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً ومتسعاً في مضمون الخطاب الإعلامي والرقمي. 

ولا يعني ذلك أن جميع قراراتها غير مشروعة، أو أن تنظيم القطاع والمساءلة المهنية غير ضروريين. إنما تكمن المشكلة في اتساع نطاق التدخل، وغموض بعض المعايير، وضعف الشفافية، وعدم وضوح الحدود بين تنظيم مؤسسات البث ومراقبة التعبير الفردي. 

ويزداد هذا الخطر عندما تجتمع في جهة واحدة صلاحيات الترخيص والمراقبة والعقوبة والتنسيق مع المنصات الرقمية، من دون رقابة مستقلة وفعالة أو نشر كامل للقرارات ونتائج الطعون. 

إن الاختبار الحقيقي لاستقلال الهيئة لا يتعلق بما تعلنه عن حرية التعبير، بل بقدرتها على حماية خطاب قد يزعج الحكومة أو الأحزاب أو الشخصيات النافذة، ما دام لا يتضمن تحريضاً على العنف أو مخالفة محددة في قانون واضح. 

فالمؤسسة التنظيمية المستقلة لا تحدد للمجتمع ما يجوز له التفكير فيه أو قوله، بل تضمن وجود سوق إعلامية تعددية يستطيع فيها الجمهور الوصول إلى المعلومات والآراء المختلفة، وتخضع فيها القيود للقانون، لا للمزاج السياسي أو الأخلاقي. 

 

التوصيات 

إلى مجلس النواب العراقي 

  1. إقرار قانون متكامل لهيئة الإعلام والاتصالات ينسجم مع الدستور والمادة 19 من العهد الدولي، ويحافظ على ضمانات الاستقلال والشفافية والإجراءات القانونية الواردة في الأمر رقم 65.
  2. اعتماد آلية علنية وتنافسية للتعيين تقوم على الكفاءة والخبرة، وتتضمن جلسات استماع عامة، والإفصاح عن المصالح المالية والسياسية، والتحقق من عدم وجود تضارب مصالح.
  3. تحديد صلاحيات الهيئة بدقة، مع التمييز بين تنظيم الترددات والتراخيص من جهة، والتدخل في المضمون الإعلامي من جهة أخرى.
  4. ضمان رقابة برلمانية مؤسسية لا تتحول إلى تدخل سياسي في القرارات الفردية، مع إلزام الهيئة بتقديم تقرير سنوي تفصيلي ونشره للجمهور.

 

إلى هيئة الإعلام والاتصالات 

  1. مراجعة لائحة قواعد البث الإعلامي لعام 2019، وإزالة أو تعريف المصطلحات الفضفاضة، وضمان عدم استخدامها لمعاقبة النقد أو الآراء غير الشعبية.
  2. وقف فرض العقوبات التي تستهدف الأشخاص بصورة عامة، مثل المنع المفتوح من الظهور، وحصر التدخل بالمخالفة المحددة وبأقصر مدة ممكنة.
  3. نشر جميع القرارات والعقوبات في قاعدة بيانات متاحة، تتضمن الأساس القانوني، والوقائع، والأدلة، ومدة العقوبة، ونتائج الاعتراض والطعن.
  4. ضمان الإجراءات القانونية السليمة، بما يشمل الإخطار المسبق، والوصول إلى الأدلة، وحق الرد، والقرار المسبب، والطعن أمام جهة مستقلة.
  5. الفصل بين الإعلام المرخص والتعبير الفردي الرقمي، وعدم تطبيق قواعد البث تلقائياً على المدونين والمؤثرين والمستخدمين العاديين.
  6. إصدار تقارير شفافية دورية عن الطلبات الموجهة إلى شركات التكنولوجيا، تشمل عدد طلبات الحذف أو التقييد، والجهة الطالبة، والأساس القانوني، ونوع المحتوى، ونتيجة الطلب.

 

إلى الحكومة والسلطات القضائية 

  1. عدم استخدام الهيئة قناةً غير مباشرة لتقييد الانتقاد السياسي أو الالتفاف على الضمانات القضائية اللازمة لتقييد التعبير.
  2. ضمان المراجعة القضائية المستقلة والسريعة لقرارات المنع والحجب والإيقاف، وتمكين المتضررين من طلب التعويض عندما يثبت عدم مشروعية القرار.
  3. اعتماد مبدأ التنظيم الذاتي للإعلام في قضايا الأخلاقيات المهنية، من خلال مجالس صحافة مستقلة وآليات للشكاوى وحق الرد، بدلاً من العقوبات الحكومية المباشرة.

إلى شركات المنصات الرقمية 

  1. إخطار المستخدمين بأي طلب حكومي لتقييد محتواهم، وتزويدهم بالأساس القانوني للطلب وإتاحة آلية فعالة للاعتراض.
  2. نشر بيانات مفصلة عن الطلبات الواردة من العراق، وعدم تنفيذ القيود التي لا تستوفي معايير الشرعية والضرورة والتناسب وحقوق الإنسان.

 

حملة احموا المدافعين عن حقوق الانسان في العراق الان!