لم تكن احتجاجات تشرين 2019 مجرد حراك شعبي غيّر المزاج السياسي في العراق، بل كانت نقطة تحول حاسمة أعادت تشكيل العلاقة المعقدة بين الجمهور العراقي ومصادر الخبر والمعرفة. في ظل التضييق الأمني وغياب استقلالية الإعلام التقليدي عن تغطية ما يجري في الساحات، وجد الصحفيون والكتّاب، ومعهم عامة المحتجين، أنفسهم مدفوعين نحو منصاتهم الشخصية للتعبير عن الواقع. لم يكن هذا التحول خياراً بقدر ما كان استجابة ضرورية: فالقنوات الرسمية التي اعتاد الناس متابعتها لم تعد تمثلهم، إما بسبب التضليل أو التعتيم المتعمد على ما يستحق تسليط الضوء عليه. 

احتجاجات أفقية وإعلام لا مركزي: ولادة مشهد جديد 

يرى الصحفي ساطع عمار أن ما شهدته تشرين يمثل التعبير الأعلى كثافة عن ظاهرة باتت تُعرف بـ “الاحتجاجات الشبكية” أو “الأفقية”، وهي حركات منفلتة من الأطر الأيديولوجية الكلاسيكية، نمطٌ صار مألوفاً بعد الانهيار العالمي للسرديات الكبرى. باستثناء الإسلام السياسي في العراق، كما يشير عمار، يصعب اليوم الحديث عن نمط احتجاجي منظم ومؤطر بمطالب واضحة ومباشرة على الطريقة التقليدية. هذا النمط العفوي والفردي من الاحتجاج يدعم بالضرورة نمطاً مقابلاً من الإعلام يلامسه مباشرة؛ فمنصات التواصل الحديثة هي الأقرب لعواطف الفرد وانفعالاته، بعدما صار يتلقى المعرفة بشكل لا مركزي بدل الاعتماد على وسيط تقليدي واحد. ومع ذلك، يشدد عمار على ضرورة أن يظل هذا النمط الجديد من الإعلام محكوماً بسؤال المهنية في صناعة المحتوى، لا أن يُترك بلا معايير. 

كورونا: عامل تسريع وتحدي التضليل 

إذا كانت تشرين قد فتحت الباب أمام هذا التحول، فإن جائحة كورونا ما بعد 2019 قد رسّخت هذا المسار بقوة. لم يقتصر تأثير الجائحة على الجانب الاقتصادي، بل امتد ليشمل المشهد الإعلامي، حيث احتلت المساحة الرقمية في العراق حيزاً كبيراً وأصبحت مصدراً رئيسياً لتدفق المعلومات. هذا التوسع، رغم سرعته في وصول الخبر وتسهيله لتوثيق الحدث الصحفي لحظة وقوعه، جاء بوجهين: فقد تحوّل في الوقت نفسه إلى بيئة خصبة لانتشار الأخبار المضللة على نطاق واسع، مما يضع عبئاً إضافياً على المتلقي للتمييز بين الحقيقة والزيف. 

المال السياسي: تغلغل جديد في الفضاء الرقمي 

مع اتساع تواجد الصحفيين والمحللين المستقلين في الفضاء الرقمي، ظهرت منصات ومواقع إخبارية جديدة تضم صحفيين عراقيين مستقلين. لكن هذا المسار لم يكن بعيداً عن أنظار المنظومة الحاكمة، التي سلكت الطريق ذاته، لكن بأدوات مختلفة: المال والسلطة. فقد استخدمت أحزاب وحتى فصائل مسلحة وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً للدفاع عن نفسها والترويج لها، وتصاعد هذا الاستخدام بشكل لافت، حتى صار التمويل السياسي معروفاً بأدواته لدى غالبية الجمهور. بات الجمهور العراقي، وخصوصاً خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني، قادراً على التمييز بين من يكتب باستقلالية وشفافية ومن يكتب بأجندة مموَّلة. وقد كشف تسريب كتاب رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء آنذاك، موجّه إلى هيئة الإعلام والاتصالات، يُلزمها بتخصيص مبالغ مالية لدعم النشر في الوكالات والصحف والإذاعات بذريعة التوعية بقضايا اجتماعية، عن مدى تغلغل هذا التأثير . هنا، يقدم ساطع عمار قراءة مختلفة لهذه الإشكالية؛ فهو يرى أن السؤال الصحيح ليس سؤال “الاستقلالية”، بل سؤال “المهنية”. فمن الطبيعي، بحسبه، أن تُموَّل المؤسسات الإعلامية سياسياً، لكن ما ينبغي الدفاع عنه ليس فكرة استقلال لا وجود حقيقياً له، بل المعايير المهنية التي يفرضها الإعلام كحقل له تقاليده وقوانينه وأخلاقياته. فالمهنية، من هذا المنظور، هي التي تُعقلن الأجندات الأيديولوجية للممولين وتجعل فكرة التمويل نفسها أكثر شفافية أمام الجمهور. 

هيئة الإعلام والاتصالات: من التنظيم إلى التكميم 

في المقابل، لعبت هيئة الإعلام والاتصالات دوراً متصاعداً في تقييد حرية الإعلام، مستندة في قراراتها إلى الأمر التشريعي رقم 65 لسنة 2004 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، من دون أن تمارس الاستقلالية التي يُفترض أن يمنحها لها هذا الأمر التأسيسي . رصد تقرير لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة أكثر من ثلاثين قراراً قيّد الإعلام في العراق خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، مؤكداً تجاوز الهيئة صلاحياتها. وفي مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، احتل العراق المرتبة 162 من أصل 180 دولة، وهو ما يعكس تدهوراً خطيراً في بيئة العمل الصحفي. يوضح ساطع عمار جذر المشكلة من زاوية تأسيسية: فالهيئة أُنشئت أصلاً كجهة مستقلة لتنظيم الجوانب الفنية البحتة، من ترددات طيفية وبث وإرسال، بهدف تمكين هذا القطاع من خلال فصله عن الجهاز التنفيذي الحكومي وربطه بالمعايير العالمية. أما اليوم، فقد صارت الهيئة جزءاً من المنظومة البيروقراطية الحكومية، وتجاوزت اختصاصها الفني لتتدخل في الرأي ذاته، إذ باتت تمنع العاملين في الإعلام وأصحاب الرأي من الظهور في المؤسسات الإعلامية لمجرد إبدائهم رأياً على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعده عمار تدخلاً واضحاً في اختصاص القضاء نفسه. ويلفت إلى أن هذه الجرأة في تجاوز الصلاحيات لم تكن سمة للهيئة قبل عام 2020، وهو ما يعزز المخاوف المتصاعدة حيال الحريات العامة والخاصة في حقبة ما بعد الاحتجاجات. 

قوانين فضفاضة وسلاح منفلت: تحديات بنيوية 

يواجه العراق اليوم غياباً واضحاً لمبدأ المساءلة، إذ يتعرض الصحفي العراقي للتهديد أو الاعتداء من دون ملاحقة حقيقية للجناة، فيما ساهمت الهيمنة السياسية ذات الطابع الأيديولوجي في تحويل الفضاء الإعلامي إلى منابر تخدم أجندات معينة، على حساب صحافة استقصائية شبه غائبة أصلاً في البيئة العراقية. ويضاف إلى ذلك ملف السلاح المنفلت الذي لا تحتكره الدولة بالكامل، رغم وعود أخيرة ومحاولات لحصره بيد الدولة استجابة لضغوط دولية، وسط رفض فصائل عدة تسليم سلاحها. أما قانون حماية الصحفيين رقم 21 لسنة 2011، فقد واجهه الصحفيون منذ صدوره برفض واسع، لاحتوائه على مواد قابلة للتفسير الفضفاض، مما يجعله في الجوهر أداة عائقة أكثر منه ضماناً حقيقياً، ولا يتناسب مع روح الصحافة العراقية بعد 2003 وتوجهها الديمقراطي المفترض. وهنا أيضاً يذهب ساطع عمار إلى ما هو أبعد من نص القانون: فالقوانين الضامنة، برأيه، ليست كل شيء، ذلك أن من يحمي الصحفي أساساً هو موقف النظام السياسي نفسه من حرية التعبير. والنظام القائم اليوم، كما يرى، ينظر إلى حرية التعبير بوصفها تهديداً وجودياً له، لا شرطاً حاسماً لدعم الديمقراطية، وهنا يكمن الخلل الحقيقي الذي يعيق أي تقدم في المشهد الإعلامي. 

مستقبل الصحافة المستقلة: رهان على النخبة 

وسط تحديات السلاح المنفلت وسياسات تكميم الأفواه وهيمنة التمويل السياسي، يربط ساطع عمار مستقبل الصحافة المستقلة في العراق بمطامح ونضالات نخبة من الفاعلين في الشأن العام والصحفيين، ممن يرون أن حرية التعبير غير المشروطة هي الأمل الوحيد لصناعة رأي عام ناضج ومؤثر. ويقر عمار بأن نشاط هذه النخبة يتفاوت بين مد وجزر، فهي أحياناً أكثر حضوراً وتكثيفاً، وأحياناً أخرى أكثر انكماشاً وندرة، تبعاً لمناخ الحريات العام في كل مرحلة. من الساحات إلى الشاشات، أعادت تشرين تعريف علاقة العراقيين بالخبر، لكنها لم تحلّ إشكالية جوهرية ظلت معلقة: كيف يمكن لإعلام رقمي وُلد من رحم الاحتجاج أن يحافظ على مهنيته واستقلاليته الفعلية، في مواجهة مال سياسي متغلغل، وهيئة تنظيمية تجاوزت صلاحياتها، وقوانين لا تزال قاصرة عن حماية من يحمل القلم؟ إن الإجابة تكمن في استمرار النضال من أجل مساحة إعلامية حرة ومهنية، تتجاوز التحديات البنيوية والسياسية، وتؤسس لمستقبل إعلامي يعكس تطلعات الشعب العراقي نحو الحقيقة والشفافية.