فجر الأحد 28 حزيران 2026، دخلت قوات النخبة من جهاز مكافحة الإرهاب، مدعومة بمدرعات واليات مدرعة، إلى المنطقة الخضراء في بغداد. نُفذت أوامر قبض بحق 47 شخصاً في اليوم الأول وحده، بينهم 12 نائباً ومسؤولون حكوميون بارزون، استناداً إلى اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتُقل قبل ذلك بأسابيع وضُبط بحوزته أكثر من 85 مليون دولار.

المشهد بحد ذاته كان اللافت: إغلاق تام لبوابات الخضراء، انتشار مدرّع مكثف، تفتيش هويات على طريق مطار بغداد، ومسؤولون سيقوا من منازلهم في عملية وُصفت بـ" صولة الفجر". هذا الشكل الاستعراضي والمباغت هو ما يستدعي السؤال: لماذا استفزت طريقة الاعتقال الطبقة السياسية أكثر مما استفزتها عقود من ملفات النهب والانتهاكات؟

الفارق بين "معرفة الفساد" و"التعرّض لفضحه علناً"

الطبقة السياسية التي تتقاسم النفوذ منذ 2005 لم تكن يوماً غافلة عن آليات توزيع المنافع والعقود والعمولات. الفساد، بهذا المعنى، لم يكن مفاجأة لأحد داخل المنظومة؛ كان قاعدة لعبة معروفة ومقبولة ضمنياً بين الشركاء السياسيين. ما تغيّر مع صولة الفجر هو انتقال الفساد من "سر نخبوي مُدار بالتوافق" إلى "مشهد بصري مذلّ" يُستهلك على الهواء وبالمدرعات. أي أن الفضيحة لم تكن في الفعل، بل في العلنية القسرية التي فرضتها طريقة التنفيذ.

القلق من السابقة أكثر من القلق على العدالة

بعض القادة السياسيين صرّحوا بأنهم يدعمون مبدأ مكافحة الفساد، لكنهم حذروا في الوقت ذاته من أن العمل "الأحادي الجانب" يخاطر بتفكيك الائتلاف الحاكم. هذا التصريح يكشف جوهر الاستفزاز الحقيقي: الاعتراض لم يكن على أصل المحاسبة، بل على غياب "التفاهم المسبق" بين مكونات البيت السياسي قبل التحرك الأمني. الخشية هنا ليست أخلاقية بل بنيوية: من يضمن ألا يتكرر هذا الإجراء الأحادي ضد طرف آخر في أي لحظة، دون تنسيق أو "خطوط حمراء" معروفة؟ وقد لاحظ باحثون أن غياب هذا التنسيق المسبق تحديداً هو ما يمثل تحولاً لم يشهده العراق منذ 2003.

الهيبة كرأسمال رمزي مهدَّد

أن يُساق نائب أو وكيل وزارة أمام الكاميرات بواسطة مدرعات وقوات نخبة، هو تدمير مباشر لـ"الهيبة" التي شكّلت -طوال عقدين- درعاً يحمي الطبقة السياسية من المساءلة اليومية أمام الشارع. النهب المالي والانتهاكات وحتى القمع المباشر للمحتجين لم تمسّ هذا الرأسمال الرمزي لأنها بقيت، غالباً، خلف الكواليس أو مُبررة سياسياً. صولة الفجر حوّلت الفساد من خبر صحفي إلى مشهد حي بالصوت والصورة، وهذا ما جرح مشاعرهم" وألحق وصمة بهم أمام الرأي العام.

هل الاستفزاز صادق أم مسرحية توزيع الأدوار؟

إذ يُلاحظ المحللين السياسين والنخب العراقية أن الغالبية العظمى من الموقوفين في القائمة الأولى تنتمي إلى طبقة المدراء العامين ورؤساء الهيئات والمقاولين وبعض النواب  -أي "حلقات وسيطة" تنفيذية- وليس إلى "الرؤوس الكبيرة" في القرار السياسي. ويذهب بعض المراقبين إلى أن التضحية بهذه الأسماء قد تخدم أهدافاً متعددة: امتصاص الغضب الشعبي المتراكم منذ أكثر من عقدين، وإعطاء انطباع بجدية إصلاحية، مع قطع الطريق في الوقت ذاته أمام وصول التحقيقات إلى القادة السياسيين الفعليين الذين يمثلون المرجعية الحقيقية لهؤلاء المتهمين.

هذه القراءة تعني أن جزءاً من "الاستفزاز" المُعلن إعلامياً قد لا يكون تعبيراً صادقاً عن قلق طبقي حقيقي، بل أداءً سياسياً يخدم أطرافاً بعينها في الصراع الداخلي، بينما تبقى شبكات الفساد الأعمق بمنأى عن الملاحقة.

الانتقائية في الاستفزاز - من يُستثنى ومن يُستهدف؟

الاستفزاز لم يكن موحداً بين كل الأطراف. الحزب الديمقراطي الكردستاني، مثلاً، أعرب عن أمله في ألا تقتصر الحملة على بغداد، ودعا إلى امتدادها لتشمل جميع المحافظات، مؤكداً أن الإقليم لن يكون ملجأً للفاسدين. في المقابل، برزت أصوات كردية أخرى تدعو صراحة إلى توجيه "صولة مشابهة" نحو فساد الأحزاب الحاكمة في الإقليم، مرتبطاً بعائلتي البارزاني والطالباني تحديداً. هذا يكشف أن الترحيب بالحملة أو استفزاز القلق منها يتوزعان غالباً وفق موقع كل طرف من دائرة الاستهداف المحتملة، لا وفق موقف مبدئي ثابت من الفساد بحد ذاته.

يمكن القول في المحصلة ان الفساد بوصفه فعلاً لم يكن مفاجئاً لأحد داخل الطبقة السياسية، لأنها كانت شريكة فيه أو عارفة بتفاصيله منذ سنوات. أما الاستفزاز الفعلي فقد نبع من كسر قاعدة "الحصانة الرمزية" غير المكتوبة التي كانت تحمي النخبة من الفضح العلني و تحويل الفساد من سر متبادل إلى مشهد بصري استهلكه الشارع مباشرة بالاضافة الى الخشية من تأسيس سابقة إجرائية أحادية قد تطال أي طرف لاحقاً دون تفاهم مسبق أو "خطوط حمراء"

وفي المقابل، تبقى هناك قراءة مضادة جديرة بالاعتبار أن جانباً من هذا الاستفزاء المُعلن قد يكون أداءً سياسياً يخدم توازنات داخلية، بينما تظل الشبكات الأعمق للفساد -تلك المرتبطة بتهريب النفط وتمويل فصائل مسلحة بحسب بعض التقارير- خارج دائرة الاستهداف الفعلي حتى الآن.