بعد سقوط النظام السابق في العراق عام 2003، برزت قوى سياسية شيعية كانت في صفوف المعارضة، وعلى رأسها حزب الدعوة الإسلامية. حملت هذه القوى معها “سردية المظلومية” كجزء من تجربتها في مواجهة القمع، لكن مع مرور الوقت، حوّلت بعض الجهات هذه السردية إلى أداة سياسية دائمة. جرى توسيع مفهوم “الاستهداف” ليشمل أي نقد للأداء الحكومي أو إخفاق سياسي، وربطه بأجندات مزعومة تهدف إلى إقصاء المكوّن الشيعي من المشهد العراقي.

تكمن الإشكالية في تحويل الانتماء الطائفي إلى مظلة تحصّن السياسي، بحيث يُعاد تعريف النقد بوصفه اعتداءً على الهوية، لا مساءلةً للسلطة. يعطّل هذا التوجه آليات المساءلة عبر شحن الوعي الجمعي بفكرة المؤامرة. ومن الضروري التأكيد أن هذا الخطاب لا يمثل جميع أبناء الطائفة الشيعية، بل تعبّر عنه قوى سياسية محددة، بينما يتبناه جزء من جمهورها نتيجة خطاب تعبوي منظّم ومدعوم إعلامياً ومالياً.

الصراع داخل البيت الشيعي وكسر وهم “الكتلة الواحدة

كشفت السنوات اللاحقة أن “المكوّن الشيعي” ليس وحدة سياسية متماسكة. فالصراع بين الأحزاب والتيارات والفصائل المسلحة، إلى جانب الانشقاقات المتكررة، أظهر أن الانقسام داخلي قبل أن يكون خارجياً.

ومع تدهور الخدمات وتصاعد الاحتجاجات في مدن الجنوب، خرجت قواعد اجتماعية شيعية للاعتراض على ممثليها السياسيين. هنا، واجهت السلطة معضلة واضحة: فلا يمكن اتهام المحتجين بالطائفية المضادة، ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل الغضب الشعبي. لذلك، لجأت بعض القوى إلى توجيه الخطاب نحو فكرة “الاستهداف الخارجي” في محاولة لإعادة توحيد الجمهور عاطفياً، وتصوير أي نقد أو احتجاج بوصفه مؤامرة. وقد أدى ذلك إلى رفع منسوب التحشيد العاطفي كلما ازداد الضغط السياسي. هذا الاستخدام الانفعالي للهوية يخلق بيئة مشحونة تجاه أي عمل فني أو ثقافي يمكن تأويله على أنه “مساس بمشاعر المكوّن”.

الفضاء الرقمي وصناعة الحساسية المُنظَّمة

مع توسّع وسائل التواصل الاجتماعي، دخلت قوى سياسية وفصائل مسلحة ساحة صناعة المحتوى الرقمي. وبحكم امتلاكها للمال والنفوذ، أسهمت في تضخيم أي حدث يمكن ربطه بالهوية المذهبية، وتأطير النقاش العام ضمن ثنائية “الإساءة/الدفاع”، مما خلق موجات غضب رقمية تتحول أحياناً إلى ضغط ميداني. بذلك، لم تعد الحساسية الدينية تلقائية، بل أصبحت أداة تعبئة منظّمة تُستخدم للحفاظ على النفوذ السياسي. فأي اسم، أو ذكرى، أو مشهد درامي، أو تصريح، يمكن تحويله إلى قضية “تمس مشاعر الطائفة”.

الإشكالية هنا لا تكمن في الدفاع عن المشاعر الدينية بحد ذاته، بل في توظيف هذا الشعور لتبرير التضييق، والانتقال من النقد إلى المطالبة بالعقاب، بما يفضي إلى خلق مناخ تخويفي يدفع الأفراد والمؤسسات إلى ممارسة الرقابة الذاتية.

هيئة الإعلام والاتصالات بين التنظيم والرقابة المسيّسة

برز دور هيئة الإعلام والاتصالات بشكل لافت في تنظيم الإنتاج الدرامي العراقي، خصوصاً في مواسم رمضان بعد تزايد الإنتاج إثر جائحة كورونا. وشهدت هذه الفترة احتكاكاً مباشراً بين الفن والخطاب السياسي، تمثّل في عدد من القضايا، منها:

  • إيقاف مسلسل “الكاسر” (2023).
  • مساءلة مسلسل “عالم الست وهيبة 2” (2024).
  • منع عرض مسلسل “معاوية” على MBC العراق.
  • مساءلة قناة بشأن إعلان مسلسل “حمدية” (2026).

غالباً ما استندت قرارات الهيئة إلى ضغوط سياسية وعشائرية، وتحركات جهات مرتبطة بفصائل مسلحة، تحت مبررات مثل “الإساءة للذوق العام” أو “المساس بمشاعر المكوّن الشيعي”. ورغم أن الهدف المعلن هو حماية السلم المجتمعي، إلا أن ازدواجية المعايير تُضعف ثقة الجمهور بحياد المؤسسة، خاصة عندما تأتي القرارات تحت ضغط سياسي، مما يحوّل الهيئة من أداة تنظيم محايدة إلى أداة انتقائية مسيّسة.

وقد أدى هذا المناخ إلى تعرض مقار قنوات إعلامية، مثل MBC العراق وقناة الرابعة، لاقتحامات واعتداءات على خلفية محتوى إعلامي. لكن المؤشر الأخطر يكمن في ضعف المساءلة وإغلاق الملفات دون محاسبة، مما يكرّس منطق “سلطة الشارع المنظَّم” فوق سلطة القانون، ويحوّل العنف إلى أداة ضغط مشروعة بحكم الأمر الواقع.

هندسة “الدراما المقبولة” وإعادة تشكيل صورة الجنوب

لم يعد النقاش يدور حول ثنائية “مسموح/ممنوع” فحسب، بل امتد إلى شكل الدراما نفسها. إذ تُقبل الأعمال التي تعزز صورة الحزن والنوح، وتربط الجنوب بالسوداوية، بينما تُهاجَم الأعمال التي تطرح قضايا لا تتماشى مع سياسات تلك القوى.

نتيجة لذلك، ظهرت في الفترة الأخيرة دراما تُصوّر الجنوب لا بوصفه مكاناً للحياة، بل فضاءً للحزن فقط. والمشكلة ليست في توثيق الحزن بحد ذاته، بل في احتكار تمثيله في تلك البقعة الجغرافية. فعندما تُختزل مدن كاملة في صورة واحدة تخدم خطاباً معيناً، يتحول الفن إلى أداة تثبيت سياسي. ومن الضروري التأكيد أن الجنوب العراقي ليس كتلة ثقافية واحدة، بل هو فضاء غني بالشعر والفن والاحتجاج المدني، ولا يمكن اختزاله في نموذج تعبوي أحادي.

تقليص الفضاءات العامة وإعادة ضبط المجتمع

امتد الخطاب نفسه إلى الفضاءات العامة، فتمثّل في التضييق على المهرجانات الثقافية وعرقلة الفعاليات المدنية، وربط أي احتفال غير ديني بفكرة “الانحراف” أو “الاستهداف”. وهكذا، يُعاد تعريف مفاهيم مثل “المحافظة” و”القدسية” بوصفها إلزاماً أيديولوجياً، لا خياراً اجتماعياً متنوعاً. وعندما يُعاد تشكيل الفضاء العام وفق هوية واحدة، يُقصى التنوع وتُقلّص الحريات.

في المحصلة، جرى تحويل سردية المظلومية إلى أداة سياسية مستمرة، وأُعيد تعريف النقد بوصفه استهدافاً طائفياً. كما استُخدمت أدوات تنظيمية وأمنية للضغط على الدراما والفضاءات العامة، وتكريس صور نمطية عن الجنوب تخدم خطاباً معيناً. إن الدفاع عن حرية الفن والفضاء العام ليس موقفاً ضد طائفة بعينها، بل هو دفاع عن التعددية داخلها، ورفض لاحتكار تمثيلها سياسياً وثقافياً.