في 20 شباط من كل عام، يُحيي العالم اليوم الدولي للعدالة الاجتماعية بوصفه تذكيراً بأن الكرامة الإنسانية لا تنفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. في العراق، لا يمكن التعامل مع هذا اليوم كإطار رمزي؛ فالعدالة الاجتماعية ليست شعاراً أخلاقياً، بل قضية ترتبط مباشرة بسلامة المجتمع وبأمن المدافعين/ات عن حقوق الإنسان الذين/اللواتي يعملون/ن على كشف الاختلالات البنيوية في توزيع الموارد والفرص.

انطلاقاً من تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، ومن واقع الرصد المحلي، تتضح صورة مركبة: تراجع نسبي في بعض المؤشرات، مقابل استمرار فجوات عميقة بنيوية تعرّض الفئات الأضعف، والمدافعين/ات عن حقوقهم/ن، لمخاطر متزايدة.

أولاً: الفقر المتعدد الأوجه

وفق تقرير الفقر متعدد الأبعاد في العراق لعام 2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة التخطيط العراقية، انخفضت النسبة الإجمالية للفقر متعدد الأبعاد إلى نحو 10.8 بالمائة في عام 2025. إلا أن هذا الانخفاض لا يلغي التفاوتات الجغرافية والاجتماعية الواضحة بين المحافظات، ولا الفجوة بين الريف والحضر.

يشمل المؤشر خمسة أبعاد رئيسية:

• التعليم: التسرب المدرسي وعدم إكمال التعليم الأساسي.

• الصحة: صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية وسوء التغذية.

• السكن: الاكتظاظ وغياب مياه الشرب الآمنة أو الصرف الصحي.

• الخدمات الأساسية: نقص الكهرباء وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

• مستوى المعيشة: الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة وغياب الأصول.

كما أضيف بُعد "الحرمان الرقمي" في تقرير 2024، كإشارة إلى فجوة متزايدة في الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا، بما يحد من فرص التعليم والعمل والمشاركة العامة.

من منظور حماية المدافعين/ات، فإن الفقر المتعدد الأوجه لا يُنتج هشاشة اجتماعية فحسب، بل يخلق بيئة يسهل فيها إسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح عبر الضغط الاقتصادي أو الوصم أو العزل المجتمعي.

ثانياً: العمل اللائق

تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، واعتماده شبه الكلي على النفط، تحدّ من خلق فرص عمل مستدامة في القطاعات الإنتاجية. ويدفع ذلك أعداداً كبيرة من الشباب إلى القطاع غير المنظم، حيث تغيب الحماية الاجتماعية والضمانات القانونية.

ارتفاع البطالة، خصوصاً بين خريجي الجامعات، لا يمثل أزمة اقتصادية فقط؛ بل يشكل عاملاً متكرراً في موجات الاحتجاج المطالبة بالحق في العمل والعيش الكريم. وقد أظهرت السنوات الماضية أن المطالب الاجتماعية كثيراً ما تُواجَه بإجراءات أمنية أو تضييق على النشطاء/ات والمنظمين/ات.

إن غياب العمل اللائق يضعف الاستقلال الاقتصادي للأفراد، ويزيد من قابليتهم للضغط السياسي، ويجعل المدافعين/ات عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أكثر عرضة للمخاطر.

ثالثاً: الديمقراطية دون عدالة

تشير تقارير منظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى استمرار تحديات تتعلق بالمساءلة، وحماية الحريات، وضمان الحقوق الأساسية في العراق.

ويؤكد التقرير العالمي لعام 2025 أن العملية الديمقراطية تفقد معناها عندما لا تنعكس على تحسين حياة المواطنين أو ضمان حقوقهم الأساسية.

تتجلى هذه الفجوة في:

• الاستغلال السياسي للفقر: توظيف الحاجة الاقتصادية في المواسم الانتخابية عبر وعود مؤقتة، بما يحوّل المشاركة السياسية إلى علاقة تبعية لا إلى ممارسة مواطنة حرة.

• ضعف المساءلة: استمرار الفساد والإفلات من العقاب يقوضان ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويؤثران سلباً على البيئة الآمنة لعمل المدافعين/ات.

إن الديمقراطية التي لا تحمي الحق في التنظيم والتعبير والمطالبة بالحقوق الاجتماعية، تظل ناقصة، وتُبقي المدافعين/ات في دائرة الخطر.

رابعاً: توزيع الموارد

يمتلك العراق موارد نفطية كبيرة، إلا أن تقارير متعددة تشير إلى فجوة واضحة بين حجم العائدات النفطية ومستوى الخدمات العامة.

تتجسد هذه الإشكالية في:

1. الفساد المالي والإداري: هدر موارد مخصصة للتنمية والبنية التحتية، بما يؤثر مباشرة على الحق في الصحة، والتعليم والمياه والكهرباء.

2. التفاوت الجغرافي: استمرار شكاوى من اختلال توزيع الموارد بين المحافظات، بما يعمق الشعور بالتهميش.

3. الموازنات العامة: غياب معايير شفافة وواضحة لتوزيع الإنفاق، بما يحد من الرقابة المجتمعية الفاعلة.

المطالبة بعدالة توزيع الموارد ليست خطاباً سياسياً؛ بل ممارسة حقوقية مشروعة. غير أن الأصوات التي تطرح هذه القضايا كثيراً ما تتعرض لحملات تشويه أو تضييق، ما يربط بشكل مباشر بين العدالة الاجتماعية وضرورة حماية المدافعين/ات عنها.

خاتمة: العدالة الاجتماعية كشرط لحماية المدافعين/ات

إن تحقيق العدالة الاجتماعية في العراق لا ينفصل عن ضمان بيئة آمنة لعمل المدافعين/ات عن حقوق الإنسان. فحيث تغيب الشفافية، وتضعف المساءلة، وتتعمق الفجوات الاقتصادية، تتزايد المخاطر على من يكشفون هذه الاختلالات.

ومن منظور حقوقي، فإن الأولويات تتقاطع في:

• ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كجزء لا يتجزأ من حقوق المواطنة.

• تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل لائقة تقلل من الهشاشة المجتمعية.

• تعزيز الشفافية وربط توزيع الموارد بمعايير واضحة قابلة للرقابة.

• حماية الحق في التنظيم والتعبير والاحتجاج السلمي كشرط أساسي لأي إصلاح اجتماعي حقيقي.

إن العدالة الاجتماعية ليست هدفاً تنموياً فحسب، بل هي أيضاً خط الدفاع الأول عن الكرامة الإنسانية، وعن سلامة كل من يطالب بها