
لا يكتمل مشهد الإفلات من العقاب في العراق إلا حين تُفصّل العدالة على مقاس التوازنات السياسية، وهو ما يجسده بوضوح التعاطي الرسمي مع ملف النائب حسين مؤنس. ففي الوقت الذي غُض فيه الطرف تماماً عن أي إجراءات قضائية بحقه في قضية اغتيال الباحث هشام الهاشمي، سارعت الجهات المعنية مؤخراً لإصدار مذكرة قبض ضده في قضية فساد مالي ترتبط بوكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي. هذا التناقض الصارخ يضع النظام القضائي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته، ويكشف عن "عدالة مجتزأة" تُحركها بوصلة المصالح السياسية أكثر من استنادها إلى الأدلة الجنائية.
تعود خيوط الجريمة إلى تموز 2020، حين أُفرغت أربع رصاصات في جسد الباحث الأمني هشام الهاشمي أمام منزله في بغداد. لاحقاً، ظهر المتهم الرئيسي، ضابط الشرطة أحمد الكناني، في تسجيل مصور أدلى فيه باعترافات أُدرجت رسمياً ضمن ملف التحقيق، مشيراً بوضوح إلى صلة حسين مؤنس بعملية الاغتيال. وتتقاطع هذه الاعترافات مع ما كشفه الهاشمي نفسه قبل تصفيته، حين وجّه انتقادات لاذعة لكتائب حزب الله، مؤكداً أن مؤنس هو ذاته "أبو علي العسكري"، الاسم الحركي المستخدم في بيانات الفصيل.
ورغم ثقل هذه الأدلة، لم يُستدعَ مؤنس للتحقيق قط في هذه القضية. بل إن مسار القضية اتخذ منحى يكرس غياب المحاسبة؛ إذ أُخرج الكناني من السجن في ظروف غامضة عقب التغييرات الحكومية عام 2022. وفي أيار 2023، صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، لتقرر محكمة التمييز الاتحادية في آب 2023 نقض الحكم وإعادة المحاكمة، بحجة بطلان إجراءات "اللجنة 29" . وفي آذار 2024، تداولت تقارير عن تبرئة الكناني والإفراج عنه، لتعود القضية إلى المربع الأول، ويبقى ملف اغتيال الهاشمي شاهداً على "الإفلات من العقاب".
في المقابل، شهد ملف الفساد المرتبط بوكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي تحركاً قضائياً سريعاً وغير مسبوق. فبعد اعترافات الجميلي التي كشفت عن شبكة واسعة من المتورطين، وضبط مبالغ ضخمة (10 ملايين دولار و31 مليار دينار عراقي)، صدرت مذكرة قبض بحق حسين مؤنس. وقد وافقت رئاسة مجلس النواب على رفع الحصانة عن 19 نائباً متهمين بقضايا فساد، وهو إجراء نادر الحدوث. هذا التحرك السريع، الذي يُعتقد أنه جاء بضغط أمريكي ضمن حملة مكافحة الفساد، يثير تساؤلات حول معايير تحريك الدعاوى في العراق.
إن تحريك دعوى فساد ضد مؤنس اليوم، مقابل الصمت المطبق عن تورطه المحتمل في دماء الهاشمي، يضعنا أمام حقيقة قاطعة: معايير تحريك الدعاوى في العراق تخضع لبوصلة المصالح وتصفية الحسابات السياسية أكثر من استنادها إلى الأدلة الجنائية. هذا الانتقاء الفج لا يمثل مجرد خلل إجرائي، بل هو تأسيس ممنهج لثقافة الإفلات من العقاب. فالمحاسبة على "المال" (الفساد) تبدو أسهل سياسياً من المحاسبة على "القتل" (الاغتيالات السياسية)، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات ذات نفوذ سياسي وعسكري.
بعد مرور ست سنوات على اغتيال هشام الهاشمي، تبقى هذه القضية شاهداً حياً على أن العدالة المجتزأة ليست سوى غطاء لترسيخ النفوذ، وأن مكافحة الإفلات من العقاب ستبقى شعاراً فارغاً ما لم تبدأ بمساءلة الجميع عن الدم، قبل محاسبتهم على المال . إن مصداقية النظام القضائي في العراق، ومستقبل سيادة القانون، يتوقفان على قدرته على تطبيق العدالة بمعايير واحدة على الجميع، دون انتقائية أو استثناء، وأن تبدأ المحاسبة من الجرائم الأشد خطورة، وهي جرائم الدم التي تقوض أسس المجتمع والدولة.
