في كل عام، يحتفي العالم في الثامن والعشرين من نيسان باليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية، وهو موعد لتذكير المؤسسات بمسؤوليتها في توفير بيئة عمل آمنة. ولكن في سياق العمل المدني والصحفي المعاصر، لم يعد مفهوم "السلامة" مقتصرًا على الحماية من المخاطر الجسدية المباشرة، بل امتد ليشمل "الأمان الرقمي" كحق أصيل لا يقل أهمية عن الحق في الحياة والخصوصية. ففي بيئة مثل العراق، يغدو العمل الحقوقي دون حماية رقمية مؤسسية أشبه بالمشي في حقل ألغام، حيث تتحول الأجهزة الشخصية إلى أدوات للتجسس والملاحقة. 

 

الفضاء الرقمي بيئة عمل، والخطر فيه مهني 

لم يعد النشاط الرقمي ملحقاً بالعمل الحقوقي، بل بات هو العمل ذاته في أحيان كثيرة. فالتوثيق يجري عبر الهواتف، والتواصل مع المصادر عبر تطبيقات المراسلة، والنشر والمناصرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وحين تتحول هذه الأدوات إلى مساحات للملاحقة والتهديد، فإن الخطر لا يكون شخصياً فحسب، بل مهنياً بامتياز. 

تروي رؤى خلف، عضوة الهيئة الإدارية لشبكة النساء العراقيات، كيف أثرت الحملات التحريضية وخطاب الكراهية على طريقة عملهن الميداني:  

"أحياناً من يصير عدنا تدريبات أو تصوير لم نستطيع رفعها، و اضطرينا لحذف الصور بطلب من المشاركات أو ذويهم، أو أن نرفع أسماءهم من التصريحات. هذا أثّر على عملنا وعلى الترويج لتلك القضايا."   

أما التهديدات التي تتجاوز الشاشة، فيرويها محمد جاسم (اسم مستعار)، وهو صحفي يعمل لدى مؤسسة إعلامية أجنبية، واصفاً كيف تجاوز التحريض الرقمي حدود العالم الافتراضي:  

"لقيت اسمي وصورتي في مجموعات على الفيسبوك ويُحرَّض عليّ. عند السفر أسلك طريقاً يختلف عن طريق العودة، وأفرّغ أجهزتي من أي محتوى قبل السفر".  

ويضيف محمد مستذكراً انتهاكاً جسيماً لخصوصيته:  

"في إحدى المرات تعرضت للاعتقال في إقليم كوردستان وأُجبرت على إعطاء كلمات المرور لأجهزتي من دون أمر قضائي". 

هذه الوقائع ليست استثنائية، بل هي نمط موثق. فوفقاً لتقرير منظمة فريدم هاوس 'حرية الإنترنت 2025'، تواصل قوات الأمن في العراق وإقليم كوردستان اعتقال مستخدمي الإنترنت بانتظام، فيما تطال الانتقامات العنيفة الصحفيين والناشطين بسبب ما ينشرونه على الإنترنت. وفي نوفمبر 2024، تعرض الصحفي وريا عبدالخالق للطعن والضرب بعد وقت قصير من نشره تقريراً عن مسؤول أمني كوردي. 

 

السياسات الرقمية المؤسسية بين الغياب والبداية المتأخرة 

إذا كانت السلامة المهنية تستلزم وجود سياسات وإجراءات واضحة للوقاية من المخاطر، فإن المشهد الرقمي لمؤسسات المجتمع المدني العراقي يكشف عن فجوة واسعة بين الحاجة والاستجابة. 

تُقرّ الناشطة رؤى خلف صراحةً بأن الاهتمام بالجانب الرقمي لم يتبلور في شبكة النساء العراقيات إلا في مطلع عام 2026: 

"في السابق لم نمتلك أي سياسات أو إرشادات معينة بهذا الخصوص. لكن بسبب الظروف الأمنية والتهديدات والتضييقات والاستهداف المباشر للعاملين/ات، هذا هو الذي دفعنا إلى أخذ الموضوع بجدية أكثر." 

في المقابل، يُعدّ حسين محمود، المدرب الرقمي والعامل في منظمة تموز للتنمية الاجتماعية، من الاستثناءات الإيجابية في هذا المشهد، إذ أعدّ للمنظمة سياسة خاصة بالأمن الرقمي منذ قرابة عام، وجرى تعميمها على جميع العاملين/ات وتدريبهم/ن على محتوياتها. ويرى: 

"هناك تحرك كبير في الآونة الأخيرة لأغلب مؤسسات المجتمع المدني لتبني مجال الأمن الرقمي داخل العمل المؤسسي. لكنه لا يزال غير كافٍ؛ الفجوة الرقمية لغالبية كادر المؤسسات كبيرة ويحتاجون إلى تدريبات أكثر وجهد أكبر." 

والفارق الجليّ بين هذه المؤسسات والمؤسسات الإعلامية الأجنبية هو ما يصفه محمد جاسم بوضوح؛ إذ تمتلك المؤسسة التي يعمل لديها سياسات أمن رقمية فعلية: التحقق بخطوتين، وإبلاغ المؤسسة عند التواجد في مناطق خطرة، وتدريبات دورية للسلامة. ويصف هذا الدعم بأنه 'جزء أساسي من العمل لا موضوع ثانوي'. 

يطرح هذا التفاوت سؤالاً جوهرياً: لماذا تتمتع مؤسسات أجنبية بسياسات رقمية راسخة لحماية عامليها، فيما تتعامل كثير من منظمات المجتمع المدني المحلية مع هذا الملف كترف تنظيمي أو خيار تكميلي؟ 

 

بيئة التضييق — الإطار الدولي يُوثّق ما تعيشه الأجساد 

ما يرويه هؤلاء الأفراد ليس استثناءً عراقياً، بل يندرج ضمن نمط موثق دولياً. فقد صنّفت فريدم هاوس العراق ضمن البلدان التي شهدت أكبر تراجع في حرية الإنترنت على مستوى منطقة الشرق الأوسط عام 2024، بانخفاض مقداره ثلاث نقاط وصولاً إلى 40 من 100. أما في 2025، فبقي التصنيف عند 41 مع الإشارة إلى استمرار اعتقال مستخدمي الإنترنت وتوثيق انتقامات عنيفة بحق من يتجرأون على التعبير الرقمي. 

ويكشف التقرير ذاته أن السلطات واصلت حجب مواقع مستقلة، وصدرت بحق مستخدمين أحكام بالسجن لسنوات بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. أما تقرير هيومن رايتس ووتش 2025 عن العراق، فيوثق 'تقلصاً في الفضاء المدني' و'قمعاً مستمراً' وإقراراً لقوانين تقييدية، فيما يُشير تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2025-2026 إلى 'تضييق متواصل على الصحفيين' وإفلات المتهمين من العقاب. 

هذه الأرقام والوقائع لا تصف حالات فردية؛ إنها تصف بيئة عمل كاملة يُمارَس فيها العمل الحقوقي والصحفي في مناخ رقمي معادٍ، دون الحدّ الأدنى من الحماية المؤسسية أو القانونية. 

 

 الفراغ التشريعي — حين تكون البيئة القانونية هي الخطر 

لا يقتصر التهديد على الممارسات الميدانية أو الإهمال المؤسسي؛ إذ يضيف إليهما غيابُ منظومة قانونية واضحة طبقةً إضافية من الهشاشة. هذا ما تؤكده آسيا عبد الكريم، مسؤولة البرامج وباحثة في مؤسسة أنسم للحقوق الرقمية، التي أطلقت المؤسسة دليلين للحماية الرقمية مخصصَين للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان ودليل للحماية من العنف الرقمي ضد النساء " 

"العراق دولة بدون تنظيم قانوني رقمي واضح. غياب وجود تشريع يجعل البيئة في فوضى، لأنك لا تعرف إلى أين تلجأ، وهذا يعرّضك للمخاطر. أغلب المسودات التي تُطرح تستخدم لغة قانونية مطاطة يمكن استغلال فقراتها في أي لحظة."   

وتكشف آسيا عن رقم لافت يعكس حجم التعطش الفعلي للسلامة الرقمية في الوسط الحقوقي والصحفي؛ حين أعلنت مؤسسة أنسم عن ورشة تدريبية في وقت سابق طُلب فيها 25 مشاركاً، تجاوز عدد المتقدمين ألف شخص من صحفيين وناشطين. رقم يقول بوضوح إن المشكلة ليست غياب الرغبة، بل غياب الفرصة والبنية الداعمة. 

وتلفت آسيا إلى تحدٍّ بنيوي يتصل بالتمويل مباشرةً: كثير من المنظمات المحلية تستخدم أجهزة موظفيها الشخصية للعمل المؤسسي، وتفتقر إلى ميزانية لأدوات الحماية الرقمية. بل إن بعض المنظمات العاملة في العراق منذ أكثر من عشر سنوات خضعت لأول تدريب رقمي في حياتها خلال جلسات مؤسسة أنسم. وتلخّص آسيا المعادلة: 

"المشكلة أن أغلب المؤسسات والأفراد يعتقدون أنهم بمعزل عن الخطر الرقمي. ولكن من يقع في مشكلة تكون عملية حلها أعقد وأصعب. لذلك تطبيق ممارسات السلامة الرقمية ووجود سياسة رقمية شاملة تراعي الهيكل الإداري مهمٌّ جداً — وليست كل سياسة رقمية مناسبة لكل مؤسسة." 

يُضاف إلى ذلك تحدي الذكاء الاصطناعي المتسارع؛ إذ تشير آسيا إلى أن أدوات توليد الصور والمحتوى  تتشابك هنا ثلاثة مستويات للمسؤولية: مسؤولية المؤسسات في اعتماد سياسات رقمية وتوفير التدريب وبناء ثقافة الأمن الرقمي كجزء لا يتجزأ من بروتوكولات العمل. ومسؤولية الجهات الداعمة من ممولين ومنظمات دولية في جعل السلامة الرقمية شرطاً لا منحةً اختيارية. ومسؤولية الدولة في الكفّ عن سنّ قوانين تجعل التعبير الرقمي مجازفةً بالحرية، وفي توفير حماية فعلية للمدافعين والمدافعات. 

 

  الأمان الرقمي ليس رفاهية — إنه حق عمالي 

حين تضطر ناشطة إلى حذف صور من حدث حقوقي خوفاً على سلامة المشاركين، وحين يغيّر صحفي طريق عودته تحسباً لتعقّب ما، وحين يُجبَر عامل إعلامي على تسليم كلمات المرور لجهات أمنية دون أمر قضائي — فإن ذلك كله يصف اختراقاً صريحاً لمفهوم السلامة المهنية. 

إن منح السلامة الرقمية مكانتها الحقيقية في منظومة الصحة والسلامة المهنية لا يحتاج إلى اختراع جديد، بل يستلزم تطبيق مبادئ راسخة على سياق متجدد: سياق العمل في الفضاء الرقمي وسط بيئة مليئة بالمخاطر. 

أما المؤسسات التي لا تزال تعتبر الأمن الرقمي شأناً شخصياً يُدبّره العامل/ة بمفرده/ا، فإنها بذلك تتخلى عن مسؤوليتها تجاه من يخاطرون بسلامتهم في سبيل عمل يفترض أن تحميه.