لم يعد الفساد في العراق ظاهرةً تُمارَس في الخفاء، بل تحوّل إلى نظام موازٍ يعمل بشكل شبه مؤسسي، تطورت أشكاله وتشعبت حتى تجاوزت الرشوة والمحسوبية إلى ما هو أشد خطورة وأعمق أثراً — بيع المناصب العامة ذاتها. ما كشفه النائب في البرلمان العراقي أبو تراب التميمي من تصريحات حول مزادات علنية تُعقد في دبي وعُمان لبيع المناصب الحكومية العراقية، من مستوى الوزارات وصولاً إلى اللجان البرلمانية، ليس مجرد فضيحة سياسية عابرة، بل يمثل اختراقاً صريحاً لهيكل الدولة ذاتها وانتهاكاً موثقاً لمبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد. فحين يصل الفساد إلى حد تسليع القرار العام وبيع الموقع الرسمي لمن يدفع أكثر، لا نكون أمام خلل إداري قابل للإصلاح، بل أمام منظومة تنخر في أساس الدولة وتُفرغ مؤسساتها من أي معنى حقيقي.

وهذه ليست شهادة وحيدة تُقال لأول مرة. فقد سبقت النائبة عالية نصيف إلى رفع الصوت والتحذير من مزادات علنية لبيع المناصب الحكومية، في دلالة بالغة على أن ما نحن أمامه ليس زلة فرد أو فلتة لسان في برنامج تلفزيوني، بل نمط موثق تتقاطع عليه شهادات من داخل المنظومة ذاتها. وحين يتحدث نواب منتخبون — من المفترض أنهم يمثلون المواطن ويحاسبون السلطة — عن بيع المناصب العامة بالمزاد، ولا تتحرك جهة رقابية ولا تُفتح تحقيقات جدية، فإن الصمت الرسمي يصبح بحد ذاته دليلاً إضافياً على عمق الأزمة. منظومة تعيد إنتاج نفسها بهذا الجهر لا تفعل ذلك إلا لأنها تثق بأن لا أحد سيحاسبها.

والأخطر من الحدث ذاته هو ما يترتب عليه. فحين يشتري المسؤول منصبه بالمال، تنقطع كل رابطة مساءلة تربطه بالمواطن. لا يمثّل الناخبين ولا يخدم الصالح العام، بل يعمل على استرداد ما أنفق وتحقيق الأرباح. وبذلك تتحول الوظيفة العامة من خدمة مدنية إلى صفقة استثمارية يدفع ثمنها المواطن من جيبه ومستقبل أبنائه — في بلد يحتل مراتب متقدمة في مؤشرات الفساد العالمية بينما تتآكل خدماته الأساسية عاماً بعد عام.

وهذا الواقع ليس نتاج أفراد فاسدين بمعزل عن السياق، بل هو الثمرة المنطقية لنظام المحاصصة الذي زرع منذ تأسيسه رؤية تقسيمية للدولة جعلت مؤسساتها غنيمةً لا أمانة. هذا النظام حوّل مؤسسات الدولة إلى حصص توزيع بين الأطراف السياسية، وجعل كل كتلة تنظر إلى الدورة البرلمانية باعتبارها نافذة زمنية محدودة تُستثمر قبل أن تُغلق.

ومن رحم هذه البنية الفاسدة تتولد نتائج متلازمة لا تنفصل: غياب السياسات الوطنية لأن واضعيها عيّنهم المال لا الكفاءة، وتغييب المصلحة العامة لأن الولاء للممول لا للوطن، واستحالة بناء دولة حقيقية حين تتشكل حكومتها وفق من يدفع أكثر لا من يخدم أكثر.

ما يصفه هؤلاء النواب ليس فساداً هامشياً يُعالَج بمرسوم أو إجراء إداري، بل انهيار في مفهوم الدولة ذاتها. دولةٌ تُباع وزاراتها في فنادق الخليج هي دولةٌ أُفرغت من مضمونها السيادي، وتحوّلت إلى شركة استثمار خاصة تُدار لصالح مساهميها على حساب مواطنيها.

المطلوب اليوم ليس إصلاحاً جزئياً، بل إعادة تعريف العقد الاجتماعي على أساس المواطنة والمساءلة والفصل الحقيقي بين السلطات — وهو ما لن يتحقق في ظل نظام بات يبيع نفسه بالمزاد.