تتوالى فصول قمع حرية التعبير في العراق، حيث أصبحت عبارة "منشورك غير متاح في العراق!" رمزاً لسياسة ممنهجة تتبعها الحكومات المتعاقبة لإسكات الأصوات الناقدة. فمنذ عهد حكومة السوداني، تصاعد تقييد المحتوى الرقمي، خاصة السياسي والساخر، عبر "نقطة الاتصال الوطنية" التي تنسق مع شركات التكنولوجيا العالمية لفرض هذه القيود. ومع تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة في أبريل 2026، لا يبدو أن هناك تراجعاً عن هذا النهج، بل تعززت المخاوف من اتساع دائرة المحظورات لتطال الشخصيات السياسية الجديدة. 

إن ما يحدث في العراق ليس مجرد حوادث فردية لتقييد محتوى رقمي، بل هو مؤشر خطير على تآكل ممنهج لحرية الصحافة والنشر، وتواطؤ متزايد بين السلطات العراقية وشركات التكنولوجيا الكبرى مثل "ميتا". هذا التقييد الممنهج، الذي يتجلى في الحجب الجغرافي وحذف المنشورات، يعزل الرأي العام المحلي عن النقد الحر، ويشوه السردية الرقمية، ويحول الفضاء الافتراضي إلى بيئة خاضعة للرقابة. هذه الممارسات لا تنتهك الدستور العراقي والمواثيق الدولية فحسب، بل تهدد أسس الديمقراطية وتعيق التنمية المجتمعية القائمة على الوعي النقدي.  

تعتمد هيئة الإعلام والاتصالات على "التقييد الجغرافي" كأداة رئيسية، حيث يُحجب المحتوى المعارض داخل العراق بينما يبقى متاحاً في الخارج. هذا الإجراء يعزل الرأي العام المحلي عن أي نقد حر، ويخلق واقعاً رقمياً مشوهاً. وفي حادثة أخرى تؤكد هذا التوجه، تم حذف منشور لصحفي عراقي عبر فيسبوك وإنستغرام، كان يحتوي على فيديو لنائب عراقي يطالب بفتح تحقيق في شبهات فساد تتعلق برئيس الوزراء علي الزيدي. 

يمثل هذا النهج انتهاكاً صريحاً للمادة 38 من الدستور العراقي التي تكفل حرية الصحافة والنشر، ويتعارض بشكل مباشر مع المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حرية التعبير. النتيجة المباشرة لهذه الممارسات هي تكميم الأفواه، واستهداف الصحفيين والمدونين، وتحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة خاضعة للرقابة الصارمة، مما يقوض مبادئ الشفافية والمساءلة التي هي ركائز أي نظام ديمقراطي. 

إن مستقبل حرية التعبير في العراق على المحك. الصمت أمام هذه الانتهاكات يعني القبول بتآكل الحقوق الأساسية وتكريس ثقافة الخوف والرقابة. يجب أن نعمل جميعاً، على المستويين الوطني والدولي، لضمان أن يظل الفضاء الرقمي العراقي منبراً حراً للأصوات الناقدة، ومساحة آمنة لتبادل الأفكار، وحصناً للديمقراطية في وجه القمع. إن حماية حرية التعبير ليست مجرد حق، بل هي ضرورة لبناء عراق مزدهر وديمقراطي.