شكل الغياب الصارخ لصوت النساء الممثلات في البرلمان العراقي، إلى جانب التخاذل المؤسسي للمجلس الأعلى لشؤون المرأة وأقسام الأسرة والطفل، مؤشراً خطيراً على مأسسة تهميش قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي. فبينما تتصاعد وتيرة قتل النساء واغتصاب الطفلات، يلوذ “الفريق الوطني للمرأة” بصمت مطبق، خالٍ من أي بيان إدانة أو مطالبة جادة بالمحاسبة، مما يحول هذه المؤسسات من أدوات حماية إلى شهود زور على استباحة كرامة النساء. 

إن الدور المنوط بالنائبات، اللواتي وصلن إلى مقاعدهن عبر نظام “الكوتا” — الذي صُمم أصلاً لتعزيز التمثيل النوعي ودعم القضايا الحقوقية — بات يتجاوز مجرد الانصياع للأجندات الحزبية إلى التواطؤ بالصمت. فالمسؤولية الأخلاقية والسياسية تقتضي أن يكنّ صوتاً للمطالبات النسوية، لا مجرد أرقام لتكملة النصاب الحزبي. إن تحول النائبة من “مدافعة عن الحقوق” إلى “منفذة للأوامر” يُفرغ الكوتا من محتواها الديمقراطي ويحولها إلى أداة لتجميل واجهة الأحزاب التقليدية. 

أما بالنسبة للمجالس والأقسام المعنية بشؤون المرأة والطفل، فإن استمرارها في إهمال قضايا العنف الأسري يثير تساؤلات مشروعة حول جدواها الاقتصادية والإدارية. ما الفائدة من كيانات إدارية تستهلك الميزانيات دون أن تكون منبراً للمطالبة بإقرار قوانين رادعة؟ إن اختزال دور هذه المؤسسات في “الخدمات الروتينية” والاحتفالات البروتوكولية هو هروب من الاستحقاق الحقيقي المتمثل في الدفاع عن حق الحياة، والدفع نحو إصلاحات تشريعية ومجتمعية جذرية تواجه جذور العنف. 

بات الحديث عن العنف الأسري في العراق محفوفاً بمخاطر أمنية وسياسية، خاصة في ظل تصاعد حملات الكراهية والتحريض التي تربط المطالب الحقوقية بـ “أجندات خارجية” أو “تهديد للسلم الأهلي”. هذا المناخ من الترهيب، مضافاً إليه الخوف من فقدان المناصب، يدفع العديد من المسؤولين والمسؤولات إلى التغاضي عن الانتهاكات، مما يعكس ضعف الإرادة السياسية وغياب الشجاعة اللازمة لمواجهة “حراس التقاليد” الذين يعطلون مسار العدالة. 

يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الحكومة الحالية، التي أدرجت قانون مناهضة العنف الأسري ضمن منهاجها الوزاري، على العبور به إلى ضفة التنفيذ. فهل ستتمكن من الصمود أمام إرادة القوى المعارضة التي تتسلح بخطاب ديني واجتماعي متشدد، أم أن هذا القانون سيظل حبيس الأدراج؟ إن إقرار هذا التشريع ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على بناء مجتمع يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامة المرأة بعيداً عن صفقات الترضية السياسية. 

في المحصلة، إن الصمت أمام العنف ليس حياداً، بل هو انحياز للمعتدي. وطالما ظلت النائبات والمؤسسات النسوية رهينةً للخوف أو الولاءات الضيقة، فإن النساء في العراق سيستمررن في مواجهة مصيرهن وحيدات تحت وطأة “السلاح المنفلت” و”القانون العاجز”. إن بناء دولة المؤسسات يبدأ من حماية أضعف حلقاتها، والمرأة اليوم هي الاختبار الأكبر لهذه الدولة.