في 27 آب/أغسطس 2025، صوّت البرلمان العراقي على «المدونة الشرعية للفقه الجعفري»، لتدخل أحكامها لاحقًا حيّز التطبيق في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث لدى المواطنين الشيعة. ومع بدء تطبيقها في المحاكم، أثارت مواد، من بينها ما يتصل بالأثر الرجعي والحضانة، اعتراضات أمهات شيعيات طالبن بإلغاء الأثر الرجعي وحماية حقوقهن وحقوق أطفالهن.

لا تختصر هذه الوقفات في اعتراض على مادة قانونية، ولا في غضب عابر من نتائج حكم قضائي. فالاحتجاج هنا فعل مقاومة مدني، تحاول من خلاله الأمهات استعادة موقعهن في النقاش العام، ومواجهة نصوص وقرارات يرَين أنها تهدد حقوقًا اكتسبنها، وتضع مصلحة الأطفال خارج مركز القرار.

 

من الشكوى الفردية إلى الفعل الجماعي

تحركت الأمهات في أكثر من موقع، من ساحة التحرير إلى مجلس القضاء الأعلى ثم أمام مجلس النواب. وهذا الانتقال لا يمثل تغييرًا في مكان الوقفة فقط، بل يكشف فهمًا لمصادر القرار ومسارات التأثير. فبعد مخاطبة الرأي العام، اتجهت المحتجات إلى المؤسسات التي يعتقدن أن لها دورًا في تفسير الأحكام أو تطبيقها أو تعديلها.

بهذا المعنى، تحوّل الاحتجاج من التعبير عن الضرر إلى ممارسة سياسية واعية. فالمحتجات لا يكتفين بعرض تجاربهن، بل يوجهن مطالب محددة إلى جهات محددة، ويستخدمن الشارع والفضاء الرقمي وسيلتين للضغط والتوثيق. وتقول إحدى المحتجات، المعروفة باسم «أم مسك»: «تغير مكان الوقفات جاء من أجل إيصال صوتنا لأصحاب القرار... فاتجهنا في آخر مرة إلى الوقوف أمام مجلس النواب تحت حرارة الشمس ولهيب الصيف لأجل الاستجابة لنا».

 

حين يصبح القانون أداة للإقصاء

يرتبط جوهر الاعتراض بالأثر الرجعي للتعديل، الذي أتاح، بحسب المحتجات، إعادة ترتيب أوضاع أسرية قائمة على أساس أحكام المدونة الجعفرية، بما قد يؤثر في الحضانة والحقوق المرتبطة بها. وتتمثل مخاوفهن في أن تُسلب حقوق اكتسبتها الأم بموجب الإطار القانوني الذي أُبرم فيه الزواج، من دون دراسة كافية لمصلحة الطفل وظروفه الفعلية.

لا ترفض الأمهات مبدأ القانون، كما لا يطالبن بامتياز فردي. إنهن يعترضن على تحوّل القانون، عند تطبيقه بهذه الطريقة، من أداة لتنظيم الحقوق إلى وسيلة لإقصاء الأم عن القرار المتعلق بطفلها. وتتمثل مقاومتهمن في الطعن بهذا التحول، والمطالبة بأن تكون الحضانة مبنية على مصلحة المحضون لا على افتراضات مسبقة عن دور المرأة أو الأب.

وتلخّص شهادة إحدى الأمهات هذا القلق. تقول إنها تخوض منذ أشهر مسارًا قانونيًا مع طليقها بشأن حضانة ابنتها، وإنها تخشى فقدانها رغم عدم منعها الأب من المشاهدة أو المبيت أو اصطحاب الطفلة. لا تكمن أهمية الشهادة في حالتها الفردية وحدها، بل في إظهار الكلفة الإنسانية التي تجعل الاحتجاج ضرورة بالنسبة إلى صاحباته، لا خيارًا سياسيًا عابرًا.

 

مصلحة الطفل بين النص والتطبيق

تثير أحكام الحضانة سؤالًا أساسيًا: هل تُقاس العدالة الأسرية بالعمر أو بالإجراء وحده، أم بدراسة الواقع النفسي والاجتماعي والصحي للطفل؟ حين تُتخذ القرارات بعيدًا عن هذه المعطيات، أو من دون الاستماع إلى الطفل والاستعانة بباحثين اجتماعيين مؤهلين، تتحول «مصلحة المحضون» إلى عبارة عامة لا إلى معيار فعلي.

وتزداد المفارقة، عندما يُرفع سن التخيير في الحضانة إلى 18 عامًا، في وقت تسمح فيه المدونة نفسها بزواج الفتيات والفتيان في سن أصغر. وهذه النقطة تحتاج إلى تدقيق قانوني دقيق، لكنها تكشف جوهر الاعتراض: التناقض بين الاعتراف المبكر بالقدرة على الزواج، وتأجيل الاعتراف بقدرة الطفل على التعبير عن مصلحته في قضية الحضانة.

 

الاحتجاج بوصفه مقاومة

تنبع قوة الحراك من أن المتضررات أنفسهن أصبحن فاعلات في تنظيمه واستمراره. وبمساندة منظمات وناشطات ومحاميات ومحامين، انتقل الحراك من الشهادة الفردية إلى التوثيق والمتابعة والدعم القانوني والضغط على المؤسسات. وتؤدي هذه المساندة دورًا مهمًا، لكنها لا تلغي أن مصدر الشرعية الأساسي هو الأمهات اللواتي يعشن آثار القانون في حياتهن اليومية.

المقاومة التي يمارسها هذا الحراك ليست مواجهة مسلحة ولا خروجًا على القانون؛ إنها مقاومة مدنية تتخذ من الوقفة والشهادة والتوثيق والمطالبة القانونية أدوات لها. وتقاوم الأمهات بها احتكار المؤسسات تعريف مصلحة الأسرة، كما يقاومن اختزال قضاياهن في «شأن خاص» لا يجوز نقله إلى المجال العام.

لكن هذا الظهور له ثمن. فقد واجهت المحتجات حملات تشهير وخطاب كراهية ومحاولات للطعن في سمعتهن ومصداقيتهن. حتى الملابس السوداء أو النقاب، اللذان تستخدمهما بعضهن لحماية هوياتهن، لم يمنعا حملات الوصم. وتكشف هذه الحملات أن المعركة لا تدور حول نص قانوني فقط، بل حول حق النساء في الظهور والتحدث والمطالبة داخل فضاء عام طالما جرى التعامل معه بوصفه مجالًا ذكوريًا.

 

ما الذي يكشفه استمرار الحراك؟

إن استمرار الأمهات في الاحتجاج، رغم الخوف من التشهير وغياب الاستجابة المؤسسية الكافية، يحوّل التجربة الفردية إلى وعي جماعي. فالمطلب لا يعود متعلقًا بإلغاء أثر رجعي أو تعديل مادة فحسب، بل بإعادة تعريف العدالة الأسرية على أساس الرعاية والاستقرار والسلامة النفسية، وباعتبار الطفل طرفًا له مصلحة لا ورقة تفاوض بين الكبار.

من هنا، تصبح وقفات الأمهات شهادة على أن الاحتجاج يمكن أن يكون فعل مقاومة يعيد توزيع القوة داخل الأسرة والمجتمع والمؤسسة القانونية. والسؤال الذي يتركه الحراك أمام الدولة والمجتمع هو: أي عدالة يمكن بناؤها للأطفال والأمهات إذا لم تبدأ من مصلحة المحضون، ومن الاعتراف بصوت أمه وحقها في المشاركة في تقرير مصيره؟