لم تتغير كثيراً المطالب التي تدفع العراقيين إلى الشوارع: كهرباء، ماء، خدمات، وظائف، ومحاسبة. الذي يتغير هو شكل الاحتجاج ومكانه، بينما يتكرر سؤال آخر منذ سنوات: كيف تتعامل الدولة مع المواطن عندما يتحول مطلبه الخدمي إلى احتجاج؟ 

خلال الأسابيع الأخيرة، عادت الاحتجاجات إلى عدد من المحافظات الجنوبية والوسطى، مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع تجهيز الكهرباء. في واسط وذي قار والمثنى وميسان والبصرة، خرج محتجون للمطالبة بتحسين الكهرباء والخدمات، وقطع بعضهم الطرق ونصبوا خياماً للاعتصام، فيما تحولت بعض الاحتجاجات إلى مواجهات مع القوات الأمنية، وسُجلت اعتقالات وإصابات واستخدام للقوة في عدد من المواقع. 

في الكوت، طالب المحتجون برفع حصة المحافظة من الكهرباء إلى 1500 ميغاواط، وتجددت الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة مع إغلاق جسور وشوارع رئيسية. وكانت احتجاجات سابقة في المدينة قد شهدت تفريقاً بالقوة واعتقالات وإصابات، بحسب تقارير محلية ومقاطع متداولة. 

وفي ذي قار، خرج أهالي قضاء الفهود للمطالبة بتحسين تجهيز الكهرباء وربط القضاء بمنظومة الجبايش، فيما تحولت المطالب في بعض المناطق إلى اعتصامات مفتوحة وقطع للطرق. وفي المثنى، شهدت الاحتجاجات على الكهرباء رفع خيام المعتصمين بالقوة واحتكاكات مع القوات الأمنية، وفق مقاطع منشورة. 

أما في ميسان، فقد امتدت الاحتجاجات من ناحية العزير إلى قضاء قلعة صالح، مع قطع طرق رئيسية احتجاجاً على تراجع تجهيز الكهرباء. وتداولت وسائل إعلام ومصادر محلية مقاطع قالت إنها تظهر إطلاق نار خلال احتجاجات قلعة صالح، لكن لا تتوافر، في المصادر التي جرى التحقق منها، معلومات رسمية كافية تحدد المسؤولية أو حجم الإصابات بصورة نهائية. 

وفي شمال البصرة، عاد الاحتجاج إلى مناطق مثل قضاء الصادق، حيث طالب السكان بالكهرباء والخدمات وفرص العمل ومشاريع الإعمار. ويأتي ذلك في مناطق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقطاع النفط، ما يجعل سؤال توزيع عوائد الموارد والخدمات جزءاً من الخطاب الاحتجاجي المحلي.لكن هذه الاحتجاجات ليست جديدة، كما أن علاقة الدولة بها لم تبدأ هذا الصيف. 

 

البصرة: حين تحولت مطالب الخدمات إلى مواجهة 

في صيف 2018، خرجت احتجاجات واسعة في البصرة بسبب نقص الكهرباء والمياه وتردي الخدمات والبطالة والفساد. ومع اتساع الاحتجاجات، وقعت أعمال عنف وهجمات على مبانٍ حكومية ومقار حزبية وإعلامية، كما أُحرقت منشآت واقتحمت القنصلية الإيرانية. 

في المقابل، استخدمت القوات الأمنية القوة لتفريق المحتجين، وأفادت منظمة العفو الدولية آنذاك بمقتل سبعة محتجين على الأقل نتيجة استخدام القوة المفرطة، ودعت إلى تحقيق مستقل ومحايد وفعال في الوفيات. وشددت المنظمة على أن حق الاحتجاج السلمي يجب أن يُحترم حتى عندما تقع أعمال عنف، وأن استخدام القوة يجب أن يقتصر على الحد الأدنى الضروري. 

كانت البصرة بذلك قد قدمت مبكراً صورة للمشكلة التي ستتكرر لاحقاً: مطالب اجتماعية وخدمية تتحول، مع تصاعد الاحتجاج، إلى قضية أمنية. 

 

تشرين: عندما أصبح الاحتجاج قضية حقوقية واسعة 

بعد عام واحد، اتسعت الصورة بصورة غير مسبوقة.في تشرين الأول/أكتوبر 2019، خرجت الاحتجاجات في بغداد وعدد كبير من المحافظات، وبدأت بمطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاج واسعة ضد النظام السياسي ومؤسساته. 

وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق انتهاكات خطيرة خلال المرحلة الأولى من الاحتجاجات، بينها انتهاكات للحق في الحياة، والاستخدام المفرط للقوة، والاعتقالات التعسفية، والتهديدات والمضايقات، ومصادرة المعدات، والاعتداء على وسائل الإعلام، وقطع الإنترنت وتقييد الوصول إلى المعلومات. 

وخلال المرحلة الثانية من احتجاجات تشرين، وثقت الأمم المتحدة مقتل 97 شخصاً إضافياً بين 25 تشرين الأول و4 تشرين الثاني 2019، وإصابة الآلاف. 

وفي كربلاء، قالت منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة وغير المشروعة لتفريق محتجين، وأشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 14 محتجاً وإصابة أكثر من 100 في ليلة واحدة وفق ما كان متاحاً من معلومات آنذاك. 

لم تعد المسألة في تشرين تتعلق فقط بكيفية تفريق تجمع. فقد أصبحت الاعتقالات والتهديدات والاختفاء القسري والاعتداء على الإعلام جزءاً من المشهد الذي وثقته المنظمات الحقوقية خلال الاحتجاجات وبعدها. 

 

بعد تشرين: الاحتجاج لم ينتهِ، والملاحقة لم تنتهِ 

تراجعت الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة، لكن المطالب الخدمية والاقتصادية لم تختفِ. واستمرت احتجاجات الخريجين، والموظفين، وأصحاب العقود، وسكان المحافظات المطالبين بالكهرباء والماء والوظائف وتحسين الخدمات.  

وفي تقييمها بعد ست سنوات من تشرين، قالت منظمة العفو الدولية في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إن السلطات العراقية ما زالت تلاحق نشطاء ومتظاهرين، بينما لم تتحقق مساءلة فعلية عن مقتل مئات المحتجين وإصابة آلاف آخرين أو عن حالات الاختفاء. وأشارت إلى تقديم نحو 2700 قضية جنائية مرتبطة بانتهاكات تشرين، مع محاكمة عدد محدود من المسؤولين عنها. 

وهنا تظهر المشكلة بصورة أوضح: المطالبة بالخدمة ليست هي المشكلة، لكن طريقة تعامل الدولة معها قد تجعلها كذلك. 

فالمواطن الذي يقطع طريقاً احتجاجاً على الكهرباء قد يخالف القانون إذا ترتب على فعله تعطيل غير مشروع للمرافق العامة. لكن ذلك لا يلغي حقه في التجمع والتعبير، ولا يمنح القوات الأمنية تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة. وفي المقابل، فإن على المحتجين أيضاً حماية الطابع السلمي لتحركاتهم وعدم الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات.  

المعادلة التي يفترض أن تحكم هذه العلاقة بسيطة: تنظيم الاحتجاج لا يعني إلغاءه، وحماية الممتلكات لا تعني الاعتداء على المحتجين، ومخالفة القانون من أحد الأطراف لا تمنح الطرف الآخر حصانة من القانون. 

 

ماذا تقول الاحتجاجات الحالية؟ 

الاحتجاجات التي تشهدها واسط وذي قار والمثنى وميسان والبصرة اليوم لا تبدو متطابقة في مطالبها أو طرق تنظيمها، لكنها تشترك في شيء أساسي: المواطن يحتج على خدمات يفترض أن تكون الدولة مسؤولة عن توفيرها. 

وفي الوقت نفسه، تتكرر أدوات الاحتجاج نفسها: قطع الطرق، نصب الخيام، الاعتصام أمام المؤسسات الحكومية، وإغلاق الجسور أحياناً. وتظهر في المقابل أدوات أمنية مختلفة، من التفاوض ومحاولات احتواء الاحتجاج، إلى التفريق بالقوة والاعتقالات، وفي بعض الحالات ادعاءات باستخدام الرصاص أو وقوع إصابات تحتاج إلى تحقيق مستقل لتحديد المسؤوليات. 

وهنا لا تكمن القضية في سؤال: هل يحق للمحتجين قطع الطريق؟بل في سؤال أوسع: ما الذي تفعله الدولة قبل أن يصل المواطن إلى قطع الطريق؟ 

إذا كان الاحتجاج هو الوسيلة التي يلجأ إليها السكان بعد فشل القنوات الرسمية في الاستجابة لمطالبهم، فإن معالجة الاحتجاج بالقوة فقط لا تعالج السبب الذي أنتجه. وقد أظهرت تجربة البصرة وتشرين أن تجاهل المطالب أو التعامل معها باعتبارها مشكلة أمنية يمكن أن يوسّع دائرة الأزمة بدلاً من إنهائها. 

 

من حق الاحتجاج إلى واجب الدولة 

 الحق في التجمع السلمي ليس امتيازاً تمنحه السلطات عندما تكون المطالب مقبولة لديها، بل حق أساسي تحميه القوانين والمعايير الدولية. 

وفي الوقت نفسه، فإن حماية هذا الحق تتطلب من السلطات أن تتعامل مع الاحتجاجات وفق مبادئ الضرورة والتناسب، وأن تحقق في أي ادعاءات تتعلق باستخدام القوة غير المشروع أو الاعتقالات التعسفية، وأن تضمن عدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة. 

خلال السنوات الماضية، أُعلنت لجان تحقيق وصدرت وعود بالمحاسبة في أكثر من موجة احتجاج. لكن استمرار طرح الأسئلة نفسها بعد سنوات، من البصرة إلى تشرين وصولاً إلى احتجاجات الخدمات الحالية، يشير إلى أن المشكلة لم تعد في غياب الوعود، بل في غياب النتائج التي يمكن للجمهور رؤيتها وقياسها.لذلك، فإن ما يجري في الشوارع اليوم لا يتعلق بالكهرباء وحدها. 

إنه اختبار آخر لعلاقة الدولة بالمواطن: 

هل ترى الدولة في المحتج مواطناً يطالب بحقه، أم مشكلة أمنية يجب إزاحتها من الطريق؟ 

فالطريق قد يُفتح بعد تفريق المتظاهرين، والكهرباء قد تعود لساعات، والاعتصام قد ينتهي.لكن ما لم تُحل أسباب الاحتجاج، وما لم تصبح مساءلة من يستخدم القوة خارج القانون أمراً فعلياً وشفافاً، فإن الاحتجاج سيعود من محافظة إلى أخرى، ومن مطلب إلى آخر.لأن المشكلة ليست في أن العراقيين يحتجون؛ المشكلة في أن أسباب احتجاجهم لم تختفِ.