
يواجه العاملون والعاملات في منظمات المجتمع المدني، لا سيما المشتغلين في القضايا الحقوقية الحساسة، ضغوطاً مضاعفة تتشابك فيها طبقتان من التحديات النفسية. الطبقة الأولى تفرضها طبيعة القضايا التي يوثقونها يومياً؛ من أخبار صادمة، ورصد لجرائم القتل والتعذيب، ومتابعة ملفات التهديد والملاحقة الأمنية. أما الطبقة الثانية، فتتمثل في "الهشاشة المؤسسية" الناتجة عن أزمات التمويل، والتي دفعت المنظمات إلى تقليص كوادرها ومضاعفة المهام على من تبقى، دون أي مقابل إضافي أو ضمانات وظيفية تتجاوز مدة المشاريع القصيرة.
لم يعد هذا الواقع مجرد شكوى محلية، بل بات قضية موثقة دولياً. ففي تقريره الصادر في مارس 2026، كشف المقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن وضع المدافعين عن حقوق الإنسان، أن تقليصات التمويل بين عامي 2024 و2025 أثرت سلباً على 77% من المدافعين المشاركين في استطلاع شمل 82 دولة. وكان "الدعم النفسي" هو الضحية الأولى لهذا الشح المالي، حيث تم إلغاؤه كلياً في كثير من المنظمات، مما فاقم حالات الإرهاق والاحتراق النفسي في أوساط المدافعين، وهو واقع ينعكس بوضوح في البيئة العراقية.
يصف (م. ن)، وهو مدون وعامل في مؤسسات صحفية وحقوقية، ثقل ما يُعرف علمياً بـ "الصدمة الثانوية"، وهي الحالة التي تصيب الموثقين نتيجة التعرض المستمر لمعاناة الآخرين: "إذا كنت تتغذى يومياً على جرعة من الأخبار ما بين التهديد، ومحاولات الاغتيال، وجرائم قتل النساء، والملفات السياسية الفاسدة، فإن هذا الضغط يجعلك شخصاً مشدوداً وقابلاً للانفجار لأتفه الأسباب". ويمتد هذا التأثير ليفرض عزلة اجتماعية قسرية، يفاقمها "الخوف الأمني" في بيئة يسودها السلاح المنفلت، حيث يصبح مجرد التفكير في الملاحقة عبئاً نفسياً مستقلاً بذاته، في ظل غياب أي دعم نفسي منظم من قبل المؤسسات.
من جانبها، تسلط إيلاف أحمد (اسم مستعار) الضوء على "انعدام الاستقرار الوظيفي" كأداة ضغط إضافية. فمنذ أكثر من عام، خُفض راتبها وأُضيفت إليها مهام خارج اختصاصها دون أجر إضافي، مما خلق فجوة بين المبادئ التي تدافع عنها وواقعها العملي: "أجد نفسي أعمل على حملات تخص حقوق العمال، وهذا يتناقض مع واقعي الوظيفي ويشعرني بانفصال عن هذه المبادئ". وتصف إيلاف استمرارها في العمل بأنه "استغلال اضطراري" نتيجة شح الفرص البديلة، مختصرة مأساتها: "دخلت هذه البيئة بإرادتي، وربما سأغادرها محملة بذاكرة سيئة".
يقر علي صاحب، المدير التنفيذي لمركز المعلومة للبحث والتطوير، بوجود وعي بالمشكلة لكنه يصطدم بغياب الآليات المنهجية. فالاهتمام بالسلامة النفسية يبقى في إطار "التوجيهات الشفهية" ولا يترجم إلى سياسات مكتوبة أو ميزانيات فعلية. ويعزو صاحب ذلك إلى شح التمويل، وغياب المختصين النفسيين الذين يمكن الوثوق بهم في بيئة تفتقر إلى ضمانات الخصوصية، حيث أن المراكز الرسمية لا توفر السرية المطلوبة للمدافعين، بينما تظل المراكز الخاصة خارج القدرة المالية للمنظمات.
إن النتيجة الأخطر لهذا الغياب ليست الإرهاق الفردي فحسب، بل هي "نزيف الكفاءات". يضيف علي صاحب بأسى: "فقدنا أشخاصاً وأصدقاء وزملاء اتجه بعضهم للعمل في مجالات أخرى، وأصبح من الصعب استقطابهم مرة ثانية". إن خسارة هؤلاء الكوادر تعني خسارة ذاكرة وخبرة حقوقية تراكمت لسنوات، وهو ثمن يدفعه المجتمع بأسره حين يفقد الأصوات التي تنتصر لحقوقه.
إن ما تكشفه هذه الشهادات هو نمط ممنهج من الإهمال المؤسسي والمالي للصحة النفسية. وفي سياق الحديث عن حقوق الكرامة المهنية، يجب أن يكون المدافعون عن حقوق الإنسان في صميم هذا النقاش. إن ضمان الأمان النفسي والوظيفي ليس ترفاً، بل هو ضرورة لضمان استدامة العمل الحقوقي وقدرته على مواجهة الانتهاكات. إن حماية "حماة الحقوق" هي الخطوة الأولى نحو حماية المجتمع.
