
على مدى السنوات التي أعقبت عام 2003، شكّلت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك، متنفساً أساسياً للمدونين/ات والناشطين/ات والصحفيين/ات في العراق للتعبير عن آرائهم وانتقاد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعلى خلاف وسائل الإعلام التقليدية، التي ظلّت في معظمها حكراً على النخب الثقافية والإعلامية، أتاح فيسبوك مساحة أوسع وأكثر شمولاً لمختلف الفئات الاجتماعية، وجعل من حرية التعبير ممارسة يومية متاحة لشرائح لم تكن تمتلك سابقاً أدوات الوصول إلى الجمهور. ويعكس حجم الانتشار الواسع لهذه المنصة تأثيرها المتزايد في المجال العام، إذ بلغ عدد مستخدمي فيسبوك في العراق نحو 20.1 مليون مستخدم، بحسب آخر إحصائيات المركز الإعلامي الرقمي (DMC)
فيسبوك كفضاء عابر للحدود
تميّز فيسبوك، في مراحله الأولى، بكونه مساحة رقمية عابرة للحدود، قرّبت بين الأفراد والمدن، وسمحت بتشكيل شبكات تضامن وتحشيد واسعة بضغطة زر. سرعان ما تحوّل إلى منصة مركزية لتنظيم الاحتجاجات الشعبية، ولا سيما تلك التي طالبت بتحسين الخدمات الأساسية ومكافحة الفساد. في تلك المرحلة، لم يكن فيسبوك محط اهتمام مباشر من قبل السلطات، إذ اتسم بهامش واسع للنقاش وانتقاد السلطة، في وقت لم تكن فيه الحكومات تنظر بجدية إلى تأثير الإعلام الرقمي في صناعة القرار العام.
تزامن ذلك مع موجة الاحتجاجات في المنطقة العربية، لا سيما في مصر وتونس، وصولاً إلى احتجاجات عام 2011 في العراق، وهي أول حركة احتجاجية واسعة بعد 2003. لعب فيسبوك دوراً محورياً في التعبير عن الرأي، ونقل مجريات الأحداث، والتحشيد للنزول إلى الشارع.
وقد تكرّر ذلك في احتجاجات عامي 2013 و2015، إذ شهدت بغداد ومدن أخرى تظاهرات ضد الرواتب التقاعدية المرتفعة لأعضاء مجلس النواب وسوء الخدمات وأزمة الكهرباء، وكان لفيسبوك دورٌ بارز في التحشيد وتسليط الضوء على المطالب والانتهاكات، إضافةً إلى التنسيق بين المدن.
في هذا السياق، يشير الصحفي علي الجاف في حديثه إلى مرصد حقوق إلى الأثر النوعي الذي أحدثه فيسبوك بوصفه مساحة رقمية جديدة للتنظيم والتعبئة السياسية، قائلاً إن المنصة قدمت للناشطين خدمة كبيرة مقارنة بوسائل التنسيق التقليدية. ويؤكد الجاف أن استخدام فيسبوك وتويتر في تلك الفترة، مستلهماً تجارب الربيع العربي، أفضى إلى نتائج لافتة، من أبرزها فتح مساحات نقاش سياسي واجتماعي وقيادة أولى التظاهرات المنظمة عبر مجموعات مثل «بغداد لن تكون قندهار»، في وقت كانت فيه المجموعات تحظى بانتشار أكبر من الصفحات والحسابات الشخصية.
من التعبير إلى التحريض: تحوّلات خطيرة
مع مرور الوقت، وازدياد أعداد مستخدمي الإنترنت في العراق، تعاظم دور فيسبوك في الاحتجاجات، كما حدث في احتجاجات البصرة عام 2018، التي انطلقت بسبب تلوث المياه للشرب وسوء الخدمات. حظيت هذه الاحتجاجات بدعم واسع على فيسبوك، وتحوّلت المنصة إلى أداة تضامن وطني عابر للمدن.
يذكر الناشط البصري أحمد محيبس في حديثه لنا أنه استخدم فيسبوك بكثرة لنقل معاناة الناس، ولاسيما تلوث المياه وحالات التسمم خلال احتجاجات البصرة عام 2018، إضافة إلى نشر المنشورات الاحتجاجية والنقدية، والبيانات، ومواعيد وأماكن التظاهر. ويؤكد محيبس أنه استخدم المنصة للتواصل مع الآخرين، ودعوتهم، وتوثيق ما يحدث داخل ساحات الاحتجاج من البصرة إلى بغداد وبقية المحافظات، ونقل ما يعانيه المحتجون إلى جميع العراقيين.
غير أن هذا الدور لم يخلُ من مخاطر جسيمة. فقد بدأت الفصائل المسلحة باستخدام المنصة ذاتها للتحريض ونشر خطاب الكراهية ضد الناشطين. وتبرز هنا قضية الناشطة والرياضية رهام يعقوب، التي لعبت دوراً بارزاً في تنظيم الاحتجاجات النسوية في البصرة. فبعد تداول مقاطع فيديو تنتقد فيها تردي الأوضاع، تحوّل فيسبوك إلى ساحة لتحريض ممنهج ضدها، واتهامها بالعمالة، على خلفية تقارير إعلامية مضللة وخطابات كراهية متصاعدة. وعلى الرغم من ابتعادها لاحقاً عن احتجاجات تشرين، استمر التحريض العلني ضدها، إلى أن انتهى باغتيالها في آب 2020 ، ضمن سلسلة اغتيالات طالت ناشطين في سياق إفلات شبه تام من العقاب.
احتجاجات تشرين وشيطنة العمل المدني
خلال احتجاجات تشرين، كان فيسبوك المنصة الأسرع في نقل الأخبار وتوثيق الانتهاكات بحق المتظاهرين عبر الصور ومقاطع الفيديو، فضلاً عن دوره في التواصل والتحشيد. إلا أن هذا الدور الإيجابي تزامن مع تصاعد الرقابة والملاحقات، ما دفع كثيراً من المدافعين إلى إدراك أن هذه المساحة لم تعد آمنة، بل أصبحت خاضعة لمراقبة السلطات والفصائل المسلحة.
تحوّل فيسبوك إلى سلاح ذي حدين: مساحة للتعبير من جهة، ومنصة للتحريض والتشهير من جهة أخرى. فقد موّلت جهات مسلحة جيوشاً إلكترونية وصفحات ممولة لمهاجمة العمل المدني والعاملين فيه، بالتوازي مع استخدام المال السياسي لتلميع صورة السلطة. كما شهد عام 2023 حملات منظمة ضد المدافعين على خلفية استخدام مصطلح "الجندر"، انتهت بنشر أسماء العاملين في المنظمات واتهامهم بالعمالة، ما أدى فعلياً إلى منع استخدام المصطلح رسمياً في العراق، في انتهاك واضح لحرية التعبير والعمل الحقوقي.
فيسبوك كأداة رقابية
ترافقت هذه الحملات مع تصاعد الملاحقات القضائية بحق ناشطين بسبب آرائهم المنشورة على فيسبوك، بالاستناد إلى مواد قانونية قديمة تعود إلى حقب استبدادية، مثل المادة 372 من قانون العقوبات. كما شهدت الفترة الأخيرة تعاوناً متزايداً بين الحكومة العراقية وشركات التكنولوجيا الكبرى، بما فيها "ميتا"، لإزالة محتوى بدعوى التشهير أو انتقاد الحكومة، وفق تقارير صادرة عن هذه الشركات نفسها.
أدت هذه السياسات إلى ترسيخ الرقابة الذاتية بين المستخدمين، خوفاً من الملاحقة القانونية، في تعارض صريح مع الدستور العراقي والالتزامات الدولية للعراق بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن مسودات القوانين المطروحة في الدورات البرلمانية الأخيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بالجرائم الإلكترونية وحرية التعبير، تتضمن نصوصاً فضفاضة تهدد بتقييد الفضاء الرقمي بشكل أوسع.
خطر تقويض الحريات
إن استمرار فرض القيود على الفضاء الرقمي يقوض جوهر حرية الرأي والتعبير، ويؤدي إلى احتكار النقاش العام من قبل السلطة، مع إقصاء الأصوات النقدية والمعارضة. كما أن شيطنة الوجود الرقمي للمدافعين ومراقبتهم تضع الحريات العامة في العراق أمام مرحلة شديدة الخطورة.
ولا يمكن فصل هذا السياق المحلي عن السياسات العالمية لشركة "ميتا". فقد وثّقت تقارير لمنظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، أن سياسات الإشراف على المحتوى أدت إلى إسكات واسع للأصوات الداعمة لفلسطين، عبر إزالة غير مبررة للتعبير السلمي والنقاش الحقوقي، ما فاقم محو معاناة الفلسطينيين. ويشير علي الجاف إلى أن تأثير خوارزميات "ميتا" بات أكثر وضوحاً اليوم، سواء في العراق أو في دول تدّعي حماية حرية التعبير، حيث وصل الأمر في بعض الحالات إلى الاعتقال لمجرد إبداء الرأي.
وهذا ما يؤكده الناشط أحمد محيبس الذي يرى أن تحوّل فيسبوك، بإدارة شركة “ميتا”، إلى أداة قمع ومراقبة، حيث بات يحذف المنشورات ويحجب الصفحات المعارضة للسلطة بطلبات حكومية. وأصبحت منشورات بسيطة سبباً للاستدعاء أو التهديد، مما خلق لديه حالة من الحذر والامتناع عن النشر، بعد أن لم تعد المنصة مساحة آمنة للتعبير.
لم تعد فيسبوك، بالنسبة للمدافعين والعاملين في الفضاء المدني، تلك المساحة الحرة التي عرفوها سابقاً. فبين سياسات التقييد التي تنتهجها "ميتا" وتعاونها مع السلطات، وبين الرقابة الحكومية والملاحقات القانونية، يتعرض الفضاء الرقمي في العراق لتآكل متسارع. فإن حماية حرية التعبير على الإنترنت لم تعد ترفاً، بل ضرورة ملحّة لضمان بقاء أي هامش للنقاش العام والمساءلة، ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من القمع والصمت القسري.
