بعد أشهر من التكهنات، حسم "الإطار التنسيقي" الجدل بترشيح نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، لتشكيل الحكومة المقبلة. تأتي هذه العودة بعد 12 عاماً من مغادرته المنصب، لتعيد إلى الواجهة طبقة سياسية قديمة، لكن في سياق سياسي وإقليمي متغير يطرح تساؤلات حول قدرتها على إدارة المرحلة المقبلة.

ديناميكيات الترشيح: تحالف الكبار وتصدعات الداخل

جاء ترشيح المالكي تتويجاً لتحرك سياسي بدأ بتنازل رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، عن طموحاته لولاية ثانية. هذه الخطوة، التي يمكن قراءتها كمناورة سياسية بعد إدراكه صعوبة الحصول على التجديد، أدت إلى تشكيل تحالف بين "الكبار" داخل الإطار. يهدف هذا التحالف إلى كسر العرف السياسي الذي يمنع عودة رؤساء الحكومات السابقين، وفي نفس الوقت يقطع الطريق على القوى الأصغر التي كانت تسعى لفرض مرشح تسوية.

لكن هذا التحالف لم يمر دون تصدعات. فقد كشفت مداولات الترشيح عن خلافات داخلية، تمثلت في غياب عمار الحكيم عن الاجتماعات الحاسمة، وتلميحات بعض القوى السنية، مثل تغريدات محمد الحلبوسي، التي حذرت من "العودة لأيام عجاف"، في إشارة إلى فترة حكم المالكي. ورغم أن هذه الاعتراضات لم تكن حاسمة، إلا أنها كشفت عن هشاشة الإجماع داخل الطبقة السياسية الحاكمة.

الموقف الدولي: بين ضغط واشنطن ومباركة طهران

اكتسبت عودة المالكي بعداً دولياً فورياً مع تصريح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي وصف الخطوة بـ"الخطأ الفادح" وهدد بقطع المساعدات. يمثل هذا الموقف تحدياً مباشراً للإطار التنسيقي، الذي يحاول الموازنة بين علاقته بواشنطن واعتماده على الدعم الإيراني. وقد تجلى هذا المأزق في البيان الصادر عن الإطار، الذي حاول الجمع بين التمسك بالمرشح والتمسك بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

في المقابل، أتت "مباركة" مكتب المرشد الأعلى في طهران لترشيح المالكي لترسخ الانقسام في المشهد. لكن هذه المباركة تأتي في وقت يواجه فيه النفوذ الإيراني نفسه تحديات إقليمية غير مسبوقة، مع سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع نفوذ طهران في المنطقة، مما يجعل الدعم الإيراني أقل حسماً مما كان عليه في الماضي.

تحديات الولاية الثالثة: 2026 ليست 2014

يعود المالكي إلى مشهد سياسي مختلف كلياً عن الذي غادره في 2014. فخصومه القدامى تغيروا، وظهر منافسون جدد داخل بيئته الشيعية يسعون لملء الفراغ الذي تركه انسحاب مقتدى الصدر. هؤلاء الشركاء الجدد، الذين يمتلكون أذرعاً مسلحة ونفوذاً سياسياً، يدركون أن استراتيجية المالكي في الحكم، التي تميل إلى تمركز السلطة، قد تهدد مناطق نفوذهم بشكل مباشر.

على الصعيد الإقليمي، لم تعد سوريا حليفاً استراتيجياً، والتهديد الأمني على الحدود تغيرت طبيعته من مواجهة تنظيم "داعش" إلى إدارة ملف آلاف السجناء. هذه المتغيرات تفرض على رئيس الوزراء القادم تبني خطاب براغماتي يتجاوز أساليب الماضي، ويتعامل بمرونة مع واقع دولي جديد يميل فيه الفاعلون، حتى الإسلاميون، نحو تقديم تنازلات لضمان البقاء.

السيادة والمحاسبة: مفاهيم غائبة

كما هي العادة في الدورات السياسية السابقة، يظل مفهوم "السيادة" خاضعاً للتجاذبات والضغوطات الخارجية، بينما يغيب مفهوم "المحاسبة" بشكل شبه كامل. إن الجدل حول عودة المالكي يركز على توازنات القوى والمصالح، متجاهلاً التساؤلات الجوهرية حول مسؤوليته عن الإخفاقات الأمنية والاقتصادية خلال فترة حكمه.

إن غياب ثقافة المحاسبة، الذي يسمح للطبقة السياسية القديمة بإعادة إنتاج نفسها، يساهم في تقليل شعور الناخب بفاعليته وقدرته على التغيير. ففي النهاية، تبقى الكلمة الفصل رهينة التحالفات والتسويات والضغوطات الخارجية، أكثر من كونها انعكاساً حقيقياً لإرادة الناخبين أو استجابة لحاجتهم للأمن والتنمية.