تستند لائحة تنظيم المحتوى الرقمي المعدّة من قبل هيئة الإعلام والاتصالات، وفقاً لما ورد في المادة (٢) من مسودتها، إلى الأمر رقم (٦٥)  لسنة ٢٠٠٤، وهو أمر صادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة. ويثير هذا الأساس تساؤلاً جدياً بشأن مدى إمكان الاستناد إليه لإنشاء صلاحيات ذات طبيعة جزائية أو مالية، ولا سيما أن اللائحة تمنح الهيئة صلاحيات تتعلق بفرض الغرامات، والحجب، وتعليق الحسابات.

كما تجدر الإشارة إلى أن اللائحة الإطارية للمنصات والخدمات الرقمية، التي يُفترض أن تشكل الإطار المرجعي لهذه الصلاحيات، غير معروفة على نحو واضح، ولا تبدو منشورة أو متاحة على الموقع الرسمي للجهة المعنية أو موقعها القانوني، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مدى علانيتها ونفاذها وإمكان الاحتجاج بها في مواجهة الأفراد والجهات الخاضعة لها.

وتنص المادة (٦١/أولاً) من الدستور العراقي على اختصاص مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية. ومن ثم، فإن منح جهة تنظيمية صلاحية فرض عقوبات مالية أو اتخاذ تدابير تقيد حقوقاً أساسية، كالحجب أو تعليق الحسابات أو إلغاء التسجيل والترخيص، يتطلب سنداً تشريعياً واضحاً وصريحاً، لا سيما في ضوء مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» المنصوص عليه في المادة (١٩/ثانياً) من الدستور.

 

ثانياً: اتساع معيار المحتوى المحظور

تمنح المادة 24 من المسودة الهيئة معياراً عاماً لتحديد المحتوى المحظور، من خلال ربط الحظر بالإضرار بالمصلحة العامة أو النظام العام، أو بترجح ترتب أثر ضار استناداً إلى «قرائن معتبرة». ويُخشى أن يؤدي اتساع هذا المعيار إلى منح الجهة الإدارية سلطة تقديرية واسعة في تفسير الضرر وتحديده.

ويثير ذلك صلة مباشرة بالمادة 38 من الدستور التي تكفل حرية التعبير والنشر والإعلام، وبالمادة 46 التي تشترط ألا تمس القيود جوهر الحق أو الحرية. فكلما اتسعت العبارات الفضفاضة المستخدمة في تحديد المحتوى المحظور، زادت احتمالات تطبيقها على آراء أو مواقف سياسية مشروعة، بدلاً من حصرها في حالات الضرر الواضح والمثبت.

 

ثالثاً: المصطلحات الفضفاضة وخطر التوسع في التجريم

تتضمن المسودة عبارات قابلة لتفسيرات متعددة، من بينها «إهانة أو ازدراء الدولة» الواردة في المادة 26، و«إثارة الفتنة» الدينية في المادة 27، فضلاً عن اعتماد «قرائن جدية» في تقييم التضليل وفق المادة 28، من دون اشتراط إثبات القصد أو تحديد معيار دقيق للتحقق منه.

وتكمن المشكلة الصحفية والقانونية في أن المصطلحات العامة، إذا لم تُضبط بتعريفات دقيقة ومعايير قابلة للقياس، قد تُستخدم لتقييد النقد العام أو الملاحقة على أساس تأويل واسع للنص. لذلك، تقتضي الصياغة  تحديد الأفعال المحظورة بدقة، والتمييز بين التحريض الفعلي على العنف أو الجريمة، وبين النقد أو الرأي أو التغطية الصحفية.

 

رابعاً: الدعوة إلى مخالفة القانون وحدود النقد السياسي

تحظر المادة 33 الدعوة إلى الامتناع عن تنفيذ الأوامر أو القرارات أو الأحكام القضائية. وعلى الرغم من أهمية حماية سيادة القانون، فإن الصياغة العامة لا تميز بوضوح بين التحريض  الفعلي على مخالفة القانون، وبين أشكال التعبير السياسي السلمي، مثل الدعوة إلى المقاطعة أو العصيان المدني غير العنيف أو نقد القرارات الحكومية.

وهذا يمس المادة (38) من الدستور العراقي ،إذا طُبّق بإطلاقه على النقد السياسي أو الدعوات السلمية.

 

خامساً: الغرامات وتعدد التدابير بحق الواقعة نفسها

تنص المادة 50 على غرامات قد تصل إلى 15 مليون دينار، مع عبارة «مع عدم الإخلال بأي تدبير تنظيمي آخر». ويعني ذلك، بحسب المسودة، أن الغرامة لا تمنع الهيئة من اتخاذ تدابير إضافية بشأن الواقعة نفسها، مثل التنبيه أو طلب إزالة المحتوى أو حجبه أو تعليق الحساب أو الإحالة إلى القضاء.

وبذلك قد تُفرض الغرامة بالتزامن مع حجب المحتوى وتعليق الحساب، ما دامت الهيئة ترى أن التدابير «ضرورية ومتناسبة ومسببة» وفق المادة 55

 

سادساً: الحجب وتعليق الحساب وإلغاء التسجيل أو الترخيص

تمنح المادتان 52 و53 الهيئة صلاحيات تتصل بحجب المحتوى وتعليق الحسابات، فيما تجيز المادة 54 الغلق أو إلغاء التسجيل أو الترخيص والإحالة إلى الجهات المختصة. وتُعد هذه التدابير بالغة الأثر، لأنها قد تؤدي عملياً إلى وقف نشاط إعلامي أو رقمي أو حرمان جهة أو فرد من الوصول إلى الجمهور.

وتتمثل الإشكالية الأساسية في اتخاذ هذه الإجراءات بقرار إداري، من دون اشتراط رقابة قضائية مسبقة في الحالات التي يترتب عليها تقييد فعلي ومستمر لحرية تداول المعلومات. كما أن إلغاء التسجيل أو الترخيص، بوصفه إجراءً نهائياً أو طويل الأثر، يحتاج إلى سند تشريعي واضح وضمانات إجرائية مشددة.

سابعاً: الإجراءات المستعجلة وغياب الرقابة القضائية السابقة

تنص المادة 65 على إجراءات مستعجلة يمكن تنفيذها بصورة فورية، على أن تُراجع لاحقاً من جهة مختصة داخل الهيئة. وتثير هذه الآلية تساؤلاً بشأن استقلال جهة المراجعة، ولا سيما عندما يكون القرار صادراً عن الجهة نفسها أو عن هيكل تابع لها.

وهذا  يخالف روح المادة (40) (اشتراط قرار قضائي لأي تقييد فعلي على تداول المعلومات إلكترونيًا) والمادة (46) (عدم مساس جوهر الحق) لأن التنفيذ الفوري يعني وقوع الضرر (حجب/تعليق) فعليًا قبل أي تدقيق مستقل.

 في المحصلة تحتاج مسودة لائحة المحتوى الرقمي إلى مراجعة دقيقة تضمن تحقيق التوازن بين تنظيم الفضاء الرقمي وحماية المجتمع من المحتوى الضار، وبين صون حرية التعبير وحرية تداول المعلومات. ولا يتحقق هذا التوازن بعبارات عامة فضفافة أو بصلاحيات واسعة غير مقيدة.