
في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، يواجه الصحفيون في العراق بيئة عمل توصف بأنها "الأكثر تعقيداً وخطورة" في المنطقة. يشهد العراق تراجعاً حاداً وممنهجاً في الحريات الصحفية، حيث تتضافر القوانين الموروثة والمعدلة مع نفوذ الجماعات المسلحة وتسييس الهيئات التنظيمية لخلق "مثلث قمع" يحاصر الكلمة الحرة. يوثق هذا التقرير تراجع العراق في المؤشرات الدولية، ويحلل الثغرات التشريعية التي تُستخدم كأدوات للملاحقة الجنائية، ويسلط الضوء على دور هيئة الإعلام والاتصالات في تقييد الفضاء الرقمي، وصولاً إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب التي تترك مئات الجرائم ضد الصحفيين دون محاسبة.
العراق في المؤشرات الدولية — الانزلاق نحو القاع
يشهد سجل العراق في حرية الصحافة انحداراً متواصلاً يوثقه المراقبون الدوليون. فوفقاً لمؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، احتل العراق المرتبة 162 من أصل 180 دولة، متراجعاً سبع مراتب كاملة عن العام السابق.
وترسم المنظمة صورة أعمق لهذا التراجع، مؤكدة أن الصحفيين العراقيين يعملون في بيئة "متشابكة التهديدات"، حيث تتداخل الضغوط السياسية المباشرة مع الأزمات المالية المزمنة وضعف آليات الحماية الرسمية. وفي السياق ذاته، صنفت منظمة "فريدوم هاوس" العراق ضمن فئة "غير حر" في مؤشر الحرية في العالم لعام 2025، حيث حصل على 30 نقطة فقط من أصل 100، وهي مرتبة تضعه في ذيل قائمة دول المنطقة، مما يعكس تآكل الأسس الديمقراطية لحرية التعبير.
البيئة التشريعية — القانون كأداة للملاحقة لا الحماية
تُعد الهشاشة التشريعية في العراق أحد أبرز العوائق أمام العمل الصحفي المستقل. ورغم وجود "قانون حقوق الصحفيين لعام 2011"، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة هائلة بين النص والتطبيق.
- ثغرات قانون حقوق الصحفيين
يشير الخبير القانوني أمير الدعمي إلى أن قانون 2011، ورغم ضمانه حق الحصول على المعلومات، إلا أنه حفل بعبارات فضفاضة مثل "ضمن حدود القانون"، وهي صياغات تُتيح للسلطات تقييد العمل الإعلامي وتفريغ الحقوق من محتواها عند التنفيذ.
- تجريم النقد عبر قانون العقوبات
لا يحتاج من يريد إسكات صوت معارض إلى تجاوز القانون؛ فالقانون نفسه مُهيَّأٌ لهذه الغاية. يبرز قانون العقوبات العراقي كأداة أساسية لتكميم الأفواه عبر مواد فضفاضة تُجرم الانتقاد المشروع:
- المواد (225-229): المتعلقة بجرائم "إهانة السلطات العامة".
- المادة (226): التي كانت تُجرم إهانة الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة بعقوبة تصل إلى السجن 7 سنوات. ورغم تعديلها في عام 2024 بدعوى الاستجابة لمتطلبات حرية التعبير، إلا أن التعديل أبقى الفعل في نطاق المسؤولية الجنائية لا المدنية، مما يمثل تراجعاً حقوقياً يُبقي سيف السجن مسلطاً على رقاب الصحفيين.
- تكميم الصحافة الاستقصائية (القذف والتشهير)
تُشكل المواد (433-434) المتعلقة بالقذف والتشهير أداة موازية لتصفية الحسابات مع الصحافة الاستقصائية. القانون العراقي يعامل ما يصنفه تشهيراً بصرامة بالغة، حتى لو كانت المعلومات المنشورة صحيحة وموثقة بوثائق رسمية. يؤدي هذا إلى "معادلة حقوقية مقلوبة": الصحفي الذي يكشف الفساد يجد نفسه في قفص الاتهام، بينما يفلت المسؤول الفاسد من المساءلة بذريعة حماية "سمعته".
شهادات ميدانية — الفجوة بين الدولة الرسمية والقوى الموازية
وثقت منظمة "حرية الدفاع عن الصحافة" (182) انتهاكاً خلال عام 2025، شملت الاعتقال، الاحتجاز، المنع من التغطية، والاعتداء الجسدي.
يروي الصحفي علي حرير تجربته الميدانية التي تعكس هذا الواقع: "لسنوات طويلة تؤكد قيادة العمليات المشتركة أنه لا حاجة لكتاب تسهيل مهمة، لكن عملياً لا تزال هناك مضايقات تصل أحياناً إلى محاولة منع الصحفيين أو تقييد عملهم". ويدلل حرير على ذلك بحادثة تغطيته لاحتجاجات خريجي المهن الصحية أمام وزارة الصحة في بغداد، حيث احتُجز لأكثر من ساعة رغم إبرازه لهويته الصحفية. ويحلل حرير هذا السلوك مؤكداً أن "ردود الفعل الأمنية غالباً ما تكون نتيجة أوامر ذات طابع سياسي، أكثر من كونها تعليمات حكومية واضحة"، مشيراً إلى أن القمع انتقل من "الأساليب غير الرسمية" إلى "الإطار القانوني والقضائي" عبر إعادة توظيف القوانين النافذة.
هيئة الإعلام والاتصالات — الذراع التنظيمي للرقابة السياسية
منذ عام 2024، شهدت هيئة الإعلام والاتصالات تحولاً جذرياً نحو التسييس، حيث باتت تحت هيمنة شبه كاملة لتيارات سياسية محددة. وقد تجلى هذا الدور الرقابي في قرارات قمعية بارزة:
- أكتوبر 2024: إلغاء ترخيص قناة MBC بذريعة الإساءة لرموز "المقاومة".
- يوليو 2025: مداهمة وإغلاق مقر قناة "البغدادية".
- الرقابة الرقمية: فرض تراخيص وقيود على المحتوى الرقمي بناءً على "معايير ثقافية" فضفاضة.
لقد تحولت الهيئة من "منظم تقني" إلى "أداة قمع إداري"، حيث وثقت المنظمات الحقوقية 21 حالة قامت فيها الهيئة بإنهاء العمل الصحفي أو تقييده بقرارات تعسفية تفتقر للشفافية والرقابة القضائية.
ثقافة الإفلات من العقاب — الجريمة بلا عقاب
منذ عام 2003، فقد العراق أكثر من 500 صحفي وفقاً للمرصد العراقي للحريات الصحفية. لكن الرقم الأكثر رعباً هو "صفر"؛ وهو عدد الجناة الذين تمت محاسبتهم في أغلب هذه القضايا.
تشير هيومن رايتس ووتش إلى أن الجهات الأمنية كثيراً ما تكون طرفاً في الانتهاكات، مما يجعلها عاجزة عن التحقيق فيها بإنصاف. وتؤكد منظمة العفو الدولية أن العراق يعاني من "إفلات شبه كامل من العقاب"، لا سيما في الانتهاكات الجسيمة التي رافقت أحداث تشرين 2019، واستمرار استهداف الناشطين عبر قوانين مبهمة مثل "المحتوى الهابط"، فضلاً عن بقاء آلاف حالات الاختفاء القسري منذ 2014 دون إجابات.
إن ما يحدث في العراق ليس مجرد قصور في الأداء، بل هو "منظومة متكاملة لتكميم الأفواه" تتكون من ثلاثة أضلاع:
1.نصوص قانونية فضفاضة تتيح الملاحقة الجنائية.
2.فصائل مسلحة تمارس التهديد والاستهداف الميداني.
3.هيئة تنظيمية تغلق القنوات وتحجب المواقع.
إن استمرار هذا الواقع يعني تحول العراق إلى بيئة طاردة للصحافة الحرة، وهو ما يهدد بانهيار الركن الأخير من أركان الرقابة الشعبية والمدنية في البلاد.
