
في عام 2017، وأمام حشد من أنصاره في بغداد، قام قيس الخزعلي بخطوة رمزية قلبت موازين الخطاب السياسي؛ حيث تبنى وصف "الميليشيات الوقحة" الذي أطلقه التيار الصدري على فصيله "عصائب أهل الحق"، جملة واحدة قلبت الاتهام إلى هوية، والوصمة إلى شعار يفتخر به الفصيل. ولعل في هذا التحول ما يختصر ثلاثة وعشرين عاماً من تاريخ فصيل نشأ في حضن الحرب، وترعرع في أحضان الدولة، ولم يُسلّم سلاحه قط.
ما بين السلاح والبرلمان، وبين الرواتب الحكومية والولاءات الخارجية، رسمت عصائب أهل الحق مساراً ملتبساً في المشهد العراقي. هذا التقرير هو قراءة في مسيرة تنظيم أسهم بعمق في تشكيل المشهد العراقي على مدى عقدين، من خلال العنف والسياسة والفساد والنفوذ المتجذر داخل مؤسسات الدولة.
النشأة والانشقاق: مولود من رحم الأزمة
تأسست عصائب أهل الحق رسمياً في يوليو 2006 على يد قيس الخزعلي، بعد انشقاقه عن جيش المهدي، الجناح العسكري للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر. وكان الخزعلي قبل ذلك من الكوادر المقربة للصدر، غير أنه أخذ يُصدر أوامر عسكرية مستقلة لرجاله حتى قبل الإعلان الرسمي عن الانشقاق، مما خلق شرخاً عميقاً داخل الفضاء الصدري.
جاء التأسيس في لحظة بالغة الحساسية؛ حيث كان العراق يعوم فوق بركان طائفي، وكانت القوات الأمريكية في ذروة انتشارها. أعلنت الحركة مسؤوليتها عما يزيد على ستة آلاف هجوم ضد القوات الأمريكية والعراقية. وتبرز "عملية كربلاء" في يناير 2007 كأحد أكثر العمليات جرأة ودموية، حين اقتحم عناصرها مركزاً أمنياً وقتلوا جندياً أمريكياً واختطفوا أربعة آخرين قُتلوا لاحقاً، مما وضع الفصيل في مواجهة مباشرة مع القوى الدولية والمحلية.
البنية المسلحة: تمويل من الدولة، ولاء لغيرها
يعيش العراق مأزقاً سيادياً فريداً يتجسد في بنية العصائب؛ حيث يتلقى مسلحوها، البالغ عددهم نحو خمسة عشر ألف مقاتل وفق آخر التقديرات، رواتبهم من الميزانية العراقية الرسمية ضمن هيئة الحشد الشعبي. غير أن القيادة والتسليح يتخذان مساراً مختلفاً تماماً: يصل السلاح من الحرس الثوري الإيراني ومن المخصصات العسكرية للجيش العراقي، فيما يتلقى العناصر تدريباتهم على يد ضباط في فيلق القدس الإيراني، في معسكرات منتشرة داخل وخارج العراق.
هذا التناقض بين "التمويل العام" و"الولاء الخارجي" يمثّل جوهر المأزق الذي تعيشه الدولة العراقية: فهي تدفع ثمن قوة لا تسيطر عليها، وتُضفي شرعية مؤسسية على فصيل لم يُودع سلاحه قط، مما يضع مفهوم "السيادة الوطنية" تحت اختبار دائم.
سجل الانتهاكات : توثيق المنظمات الدولية
ليست الانتهاكات المنسوبة إلى عصائب أهل الحق مجرد روايات شفهية؛ فقد وثّقتها منظمات حقوقية دولية بالأدلة والصور والشهادات الميدانية، مما يجعلها ملفات قضائية معطلة تنتظر العدالة.
- مجزرة تكريت 2015:
في تقرير موثق نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في سبتمبر 2015 بعنوان "دمار بعد المعركة: انتهاكات الميليشيات العراقية بعد استعادة تكريت"، استندت المنظمة إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات الشهود لتوثيق عمليات تدمير ممنهج لمنازل ومتاجر السكان السنة في تكريت والقرى المحيطة بها. وأفاد التقرير بأن كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق اختطفتا أكثر من مئتي مدني سني، بينهم أطفال، لا يزال مصير ما لا يقل عن مئة وستين منهم مجهولاً حتى اليوم. وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في المنظمة: "الميليشيات المسيئة وقادتها الذين يتمتعون بالإفلات من العقاب تضعف الحملة ضد داعش وتعرّض المدنيين جميعاً لخطر أكبر".
- مجزرة الخلاني 2019:
في نوفمبر 2019، وفي ذروة انتفاضة تشرين الشعبية، اقتحم مسلحون ملثمون يستقلون سيارات مدنية ساحةَ الخلاني وسط بغداد، وأطلقوا النار على المحتجين السلميين، ما أسفر عن سقوط خمسة وعشرين قتيلاً وأكثر من مئة وعشرين جريحاً. وصف شهود عيان الهجوم بأنه كان منظماً بدقة؛ إذ انقطع التيار الكهربائي عن المنطقة تزامناً مع دخول المسلحين. وبعد أيام، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قيس الخزعلي وشقيقه ليث بتهمة انتهاك حقوق الإنسان والتورط في قتل المحتجين. كما أدانت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، جانين بلاسخارت، الهجوم ووصفته بـ "العمل الوحشي".
- الإتاوات والنهب الاقتصادي — ملف مصفاة بيجي:
قدّمت عصائب أهل الحق أكثر من ثلاثمئة شهيد في معارك استعادة مصفاة بيجي عام 2015، وهي أكبر المنشآت النفطية التكريرية في العراق. وحين انتهت المعركة، بقي الفصيل، واستُخدمت التضحيات ذريعةً لتبرير الانتشار الأمني المطوّل، وهو انتشار تحوّل سريعاً إلى سيطرة فعلية على المنشأة ومحيطها.
ما جرى بعد ذلك وصفه عضو تيار الحكمة علي منيف الرفيعي بإيجاز قاطع: "مصفاة بيجي فُكّكت وسُرقت في ليلة سوداء". وحين اشتعل السجال العلني، طالب مدير قناة الفرات أحمد الساعدي الخزعليَّ بمحاسبة عناصره على نهب المصفاة ومعداتها التي تُقدَّر بالمليارات، قائلاً: "الأولى بك أن تحاسب أتباعك الذين يشتبه بأنهم نهبوا مصفاة بيجي، وحاسبهم على سرقاتهم لبيوت المسيحيين واستيلائهم عليها في الكرادة وزيونة ببغداد". لم يقتصر الانتهاك على البنية التحتية، بل امتد للممتلكات الخاصة لمكونات مدنية مسيحية لا حول لها في الصراع.
بين عامَي 2017 و2019، امتد النمط ذاته إلى الموصل، إذ أدارت العصائب منظومة المقالع في المدينة المحررة متقاضيةً حصصاً شهرية من أصحابها. وأكد مدير مياه نينوى حازم محمد أن الاستخراج الجائر أفضى إلى تلوث مصادر المياه وأزمات موسمية في الإمداد. الدمار في الجنوب، والابتزاز في الشمال، ومنازل المسيحيين في بغداد — مشهد واحد بأسماء عدة.
التحول السياسي من الرصاص إلى مقاعد البرلمان
في عام 2012، سمح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للعصائب بالانخراط السياسي العلني، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الفضاء الشيعي في مواجهة التيار الصدري. وهكذا وُلد الجناح السياسي للحركة تحت اسم "كتلة الصادقون".
تصاعد التمثيل البرلماني للحركة بشكل لافت عبر الدورات الانتخابية المتعاقبة: مقعد واحد في 2014، ثم خمسة عشر مقعداً في 2018، وعشرة مقاعد في 2021، وصولاً إلى ثمانية وعشرين مقعداً في انتخابات 2025. هذا الصعود البرلماني المتواصل منح الحركة ثقلاً مباشراً في معادلات تشكيل الحكومة وتحديد هوية رئيس الوزراء. والمفارقة الصارخة أن هذا الانخراط الديمقراطي يجري بالتوازي مع الاحتفاظ بالسلاح؛ فالحركة تشارك في انتخابات دولة تمول مقاتليها، بينما تدين ولاءها لمرجعية خارجية، مما جعل كل مرشح لرئاسة الحكومة يواجه معادلة شراكة قسرية لا اختيارية.
الأثر على النظام الديمقراطي
إن وجود العصائب ليس مجرد ظاهرة أمنية، بل هو "سرطان مؤسساتي" يؤثر في ثلاثة مستويات:
1.تقويض الديمقراطية: تحولت الانتخابات في مناطق نفوذ الفصيل إلى استفتاء على القوة المسلحة بدلاً من الإرادة الحرة، وسط ترهيب مستمر للمنافسين.
2.تمزيق النسيج الاجتماعي: كرست الانتهاكات في المناطق المحررة (صلاح الدين، الموصل) هوة الثقة بين المكونات، مما يعيق جهود السلم المجتمعي.
3.عسكرة الاقتصاد: السيطرة على الموارد والابتزاز المالي للمؤسسات والأفراد أدى إلى تآكل القطاع الخاص وهروب الاستثمارات.
الإفلات من العقاب
بعد ثلاثة وعشرين عاماً على التأسيس، لا يزال قيس الخزعلي يُدير حركته من موقع علني، ويُحيي ذكرى تأسيسها بخطب جماهيرية، رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليه وعلى شقيقه ليث، ورغم ملفات الانتهاكات الموثقة دولياً. هذا الإفلات ليس غياباً للقانون فحسب، بل هو إخفاق منظومي تتحمل مسؤوليته أطراف متعددة: حكومات أذعنت، ومنظومة سياسية تشاركت المنافع، وقضاء عجز أو أُعيق عن الملاحقة. والأشد مرارةً أن الجريمة حين تتحول إلى حضور برلماني، تكتسب مناعة أمام المحاسبة، وتصير الضحايا مضطرين إلى العيش في دولة يشارك في صنع قرارها من آذاهم.
