
تثير لقاءات الدبلوماسيين الأجانب في العراق مع قادة الفصائل المسلحة مفارقات تستدعي التفسير حول طبيعة الدبلوماسية في بيئات ما بعد الصراع، وتأثيرها على مبادئ حقوق الإنسان والمساءلة. ففي كل مرة يُستقبل فيها دبلوماسي أجنبي في مكاتب شخصيات مثل الشيخ قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، تتكرر المشاهد البروتوكولية ذاتها: مصافحة، جلسة ودّية، وبيانات رسمية تتحدث عن "تعزيز التعاون" أو "بحث الأوضاع الأمنية والسياسية". لكن ما يغيب عن هذه اللقاءات، وبشكل لافت، هو أي إشارة علنية لملفات الفساد أو الاتهامات الموثقة بضلوع جهات مسلحة مرتبطة بهذه الفصائل في انتهاكات حقوق الإنسان وقضايا فساد.
هذا التكرار ليس مجرد صدفة، بل يعكس سياسة دبلوماسية غير معلنة تستدعي التحليل. فالدول التي تتبنى خطاباً حقوقياً وديمقراطياً في المحافل الدولية، تجد نفسها في العراق تتعامل مع أطراف محلية توصف بانتهاك حقوق الإنسان وتقييد الحريات. معظم هذه الزيارات لا تأتي في سياق مساءلة أو ضغط من أجل حقوق الإنسان، بل غالباً ما تكون في إطار التهنئة بمسار العملية الانتخابية أو الإشادة بـ"الدور السياسي" لهذه الحركات، كما حدث في لقاءات حديثة مع سفراء أوروبيين، وآخرها مع السفيرة الهولندية .
فقد ظهرت حادثة السفيرة الأسترالية بولا غانلي عام 2023 حجم الإحراج الذي يمكن أن تسببه هذه اللقاءات. فبعد لقائها بالخزعلي، اضطرت بولا لإصدار توضيح رسمي يبرر اللقاء بوصفه تواصلًا مع "قيادي سياسي له تمثيل حكومي"، مع إقرارها بأن الحركة وزعيمها "لديهما ارتباطات قوية بإيران"ولكنه غير مصنفاً ارهابياً في استراليا . هذا النمط من التبرير اللاحق يؤكد أن هذه اللقاءات ليست مجرد بروتوكول محايد، بل قرار سياسي يستدعي تفسيراً كلما انكشف للرأي العام.
بالنسبة لناشطي حقوق الإنسان وعائلات الضحايا في العراق، الذين يعيشون تحت تهديد مستمر، تُقرأ هذه اللقاءات كإشارة رمزية بالغة الأثر. فحين يجلس ممثل دولة ديمقراطية أمام قائد جهة متّهمة بانتهاكات موثقة، دون إثارة هذه الملفات علناً، فإن الرسالة الضمنية هي أن هذه الانتهاكات "قابلة للتجاوز" متى اقتضت المصلحة السياسية. وتُستخدم هذه الصور البروتوكولية محلياً في الدعاية السياسية للفصائل كدليل على "قبول دولي"، مما يقوض جهود منظمات المجتمع المدني والصحفيين الذين يوثقون هذه الانتهاكات .
تستحق هذه اللقاءات متابعة منهجية. فالتناقض بين بيانات الدول الاوربية حول "القلق إزاء تقييد الحريات" وبين إيفاد دبلوماسييها لتهنئة الأطراف المتهمة بالمساهمة في ذلك، هو صميم العمل الرقابي. نادراً ما تُصدر السفارات بيانات تشرح دوافع هذه اللقاءات أو أجندتها، وهل نوقشت فيها ملفات الفساد والانتهاكات. المقارنة بين البيانات الرسمية التي تصف اللقاءات بمفردات محايدة، وبين التقارير الحقوقية المستقلة التي توثّق الانتهاكات، هي أداة أساسية لكشف الفجوة.
الإنصاف يقتضي الإشارة إلى المبرر الدبلوماسي: عصائب أهل الحق المتمثلة بحركة صادقون، ككتلة سياسية ممثّلة في البرلمان ولها وزن انتخابي، يصعب تجاهلها كلياً من منظور من يريد التأثير في القرار العراقي أو تقليل احتمالات التصعيد. لكن المشكلة تكمن في غياب أي التزام موازٍ بإثارة ملفات المساءلة علناً أثناء هذه اللقاءات أو بعدها. فالتحدي ليس في مبدأ التواصل بحد ذاته، بل في غياب السياق الحقوقي المعلن.
في المحصلة، السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه لكل سفارة بعد كل لقاء من هذا النوع ليس "هل التقيتم؟"، بل: هل أثرتم ملفات الفساد والانتهاكات الداخلية؟ وهل نُشر ذلك للرأي العام كما نُشرت صور المصافحة؟
طالما بقيت الإجابة "لا"، ستبقى هذه اللقاءات رسالة صامتة مفادها أن حسابات الاستقرار السياسي تتقدّم على حسابات المساءلة وحقوق الضحايا في الداخل العراق
