
في أهوار جنوب العراق، حيث كانت المياه يوماً شريان الحياة، تجلس "أم قاسم" تراقب بقايا جاموسها القليلة. أرضها التي كانت خضراء أصبحت قاحلة، ومصدر رزقها يتبخر تحت شمس حارقة لا ترحم. قصتها ليست مجرد مأساة فردية، بل هي انعكاس لأزمة أعمق؛ ففي العراق، أحد أكثر دول العالم هشاشةً مناخياً، تتحمل النساء العبء الأكبر للكارثة البيئية بصمت، بعيداً عن أضواء الإعلام ومكاتب صانعي القرار.
رغم تفاقم التحديات البيئية، من جفاف وتصحر وشح في المياه، لا تزال "العدسة النسوية" غائبة تماماً عن النقاش البيئي في البلاد. فبينما ينشغل الحراك النسوي، بقضايا ملحة كالعنف الأسري والتمكين السياسي في مجتمع محافظ، يُترَك الملف البيئي لخطاب تقني أو حكومي بارد، يتجاهل أن للتغير المناخي وجهاً أنثوياً بامتياز، وأن النساء والفتيات، خاصة في الأرياف، هن أول من يدفع الثمن.
إن فهم الأزمة البيئية من خلال "العدسة النسوية البيئية" ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تحليلية ضرورية تكشف كيف تتقاطع الكوارث المناخية مع علاقات السلطة والعدالة الاجتماعية، وتفضح حقيقة أن السياسات "المحايدة" غالباً ما تكون متحيزة في أثرها.
هيمنة ذكورية وفجوة هيكلية
نظرة سريعة على المشهد البيئي في العراق تكشف عن واقع صارخ: النشاط البيئي لا يزال في معظمه يُدار ويُقدَّم من خلال أصوات ذكورية. في المؤتمرات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وحتى في قيادة المبادرات المعنية بالبيئة، يتصدر الرجال واجهة النقاش، مما يعكس بنية أوسع من الهيمنة التي ما تزال تؤثر في مختلف المجالات العامة.
هذه الفجوة ليست مجرد مسألة عددية، بل هي، كما تشير الناشطة النسوية ياسمين فلاح، "فجوة هيكلية مرتبطة بفرص الظهور والتمكين". فالنساء قد يكنّ حاضرات في الأعمال الميدانية الشاقة، لكن حضورهن في مواقع صنع القرار أو التمثيل العام يظل محدوداً للغاية.
وتتعدد العوامل التي ترسخ هذا الواقع؛ فالقيود الاجتماعية تحد من قدرة النساء على الوصول إلى الفضاءات العامة والأنشطة الميدانية التي غالباً ما تكون أكثر إتاحة للرجال. كما تواجه بعض الناشطات، وفقاً لياسمين، اتهامات تقلل من جدية عملهن، مثل تصوير اهتمامهن بالبيئة على أنه مجرد "باب رزق"، وهو ما يفرض عليهن خوض نضال مضاعف لانتزاع مساحة في هذا المجال. النتيجة هي صوت نسوي خافت، لا يعكس أبداً حجم وضخامة تأثر النساء بالأزمة البيئية المتفاقمة.
نساء العراق في قلب العاصفة
يصنف العراق ضمن الدول الخمس الأكثر تأثراً بالتغير المناخي في العالم، لكن هذه الحقيقة المجردة تخفي وراءها قصصاً إنسانية مؤلمة، غالباً ما تكون بطلاتها من النساء. فالأثر البيئي ليس محايداً، وهو ما تؤكده تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) التي تظهر أن نساء الأهوار والمناطق الريفية هن أول من يعاني من شح المياه والجفاف.
في مناطق الأهوار، التي كانت يوماً جنة مائية، أدى الجفاف وتجفيف المنابع إلى انهيار اقتصاد محلي كانت المرأة عموده الفقري. فتربية الجواميس، مصدر الرزق الأساسي للنساء، تلاشت مع غياب المياه، مما ضاعف أعباءهن الاقتصادية والرعائية. تقول "خيرية"، وهي امرأة سبعينية من الأهوار لمراسلين محليين: "لم يبقَ لنا شيء، الجفاف أخذ كل شيء".
هذه الأزمة تدفع الرجال إلى الهجرة نحو المدن بحثاً عن عمل، تاركين وراءهم نساء يواجهن الفقر والمسؤولية بمفردهن. هذا "النزوح المناخي" الذي تشهده محافظات الجنوب مثل ذي قار والمثنى، يضع النساء النازحات في ظروف أكثر قسوة، ويزيد من تعرضهن للعنف والاستغلال.
الأخطر من ذلك هو "فجوة التمكين المعرفي". فالنقص في المهارات الأكاديمية والتقنية لدى النساء في المناطق المتضررة يحرمهن من المشاركة في جمع البيانات وكتابة التقارير البيئية، وهي الأدوات الأساسية التي تشكل السياسات وتؤثر في القرارات. وهكذا، يكتمل تغييب النساء عن أي دور فاعل في مواجهة أزمة تهدد حياتهن ومستقبلهن بشكل مباشر.
التمويل والسياسات: محركات أم معوقات؟
في الآونة الأخيرة، اتجه التمويل الدولي والمبادرات الحكومية نحو دعم "الاقتصاد الأخضر". لكن هذا التوجه يخفي وراءه واقعاً معقداً. تشير ياسمين فلاح إلى أن التمويل الدولي، رغم أهميته، يلعب دوراً محورياً في تحديد شكل وحجم المشاركة النسوية، "فهو ليس مجرد داعم مالي، بل محرك أساسي يؤثر مباشرة على مساحة مشاركة النساء في الملف البيئي، خاصة في ظل غياب بدائل تمويلية محلية". هذا الاعتماد يجعل الحراك النسوي البيئي رهينة للأجندات الخارجية ويضعف استدامته.
أما على الصعيد الحكومي، فالمشهد لا يبدو أفضل حالاً. فبينما تُطلق حملات إعلامية عن الاقتصاد الأخضر، تستمر السياسات والممارسات المعاكسة على الأرض: تقليص الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية، قطع الأشجار لتوسيع الطرق، استمرار سياسات تجفيف الأهوار، وضعف مزمن في مفاوضات ملف الحصص المائية مع دول الجوار.
هذا التناقض يكشف عن غياب أي استراتيجية وطنية متكاملة تدمج البعد الجندري في السياسات البيئية. وبدلاً من ذلك، يتم الاعتماد على حلول مجتزأة ومشاريع واجهة لا تتناسب مع حجم التحديات الهائلة التي يواجهها العراق.
حين تصبح العدالة البيئية عدالة اجتماعية
إن فتح النقاش البيئي من منظور نسوي في العراق لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحة. فتجاهل العدسة النسوية لا يعني فقط إقصاء نصف المجتمع، بل هو سبب رئيسي لفشل السياسات البيئية الحالية وعجزها عن مواجهة الواقع. فالأزمات البيئية المتصاعدة تزيد من تعرض النساء للعنف المبني على النوع الاجتماعي، وتدفعهن أكثر نحو حافة الفقر.
إن أي استجابة حقيقية وفعالة للتغير المناخي في العراق يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن العدالة البيئية، والعدالة الاجتماعية، وجهان لعملة واحدة. وهذا يتطلب إجراءات ملموسة، تبدأ بتمكين النساء معرفياً وتقنياً في المناطق المتضررة للمشاركة في صنع القرار، وتمر عبر دعم المنظمات النسوية المحلية للعمل على القضايا البيئية، وصولاً إلى إدماج البعد الجندري كعنصر أساسي في كل سياسة بيئية.
عندما نسمع أصوات "أم قاسم" و"خيرية" و"ياسمين" في قاعات صنع القرار، يمكننا أن نبدأ الحديث عن مواجهة حقيقية لأزمة المناخ.
