في غرف المشورة المغلقة، ووسط مخيمات الطوارئ المكتظة، حيث تتكدس قصص الألم وتتلاشى خطوط الأمان، تقف نساء في الخطوط الأمامية. هنّ المدافعات، والموثّقات، ومقدمات الدعم للناجيات من أعتى أشكال العنف. يعملن بصمت على تضميد جراح لا تُرى، ويستمعن إلى شهادات تفوق الخيال قسوةً، خاصة تلك المتعلقة بالعنف الجنسي المستخدم كسلاح حرب.  

لكن خلف هذا الدور الإنساني الجليل، ينمو احتراق صامت. سؤال حارق يطرح نفسه: من يدعم الداعمات؟ 

"منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية، بدأت رحلتي مع العمل التطوعي... وفي النهاية استقريت في العمل المرتبط بدعم النساء، لأنه المجال الذي شعرت بأنه الأقرب إلى قلبي". هكذا تلخص نوف العاصي، أخصائية العنف القائم على النوع الاجتماعي، رحلة تمتد لأكثر من عقد، بدأت بشغف خدمة المجتمع وانتهت في قلب أكثر البيئات الإنسانية تعقيداً. قصتها هي قصة آلاف النساء اللواتي يخضن هذا النضال اليومي، حيث يترك التعرض المستمر للصدمات أثراً نفسياً عميقاً، يهدد باستنزاف من وهبن أنفسهن لحماية الأخريات. 

 

"لماذا ورّطت نفسي في هذا العمل؟" 

العمل في بيئات غير مستقرة، بلغة مختلفة، وفي ظروف معيشية صعبة، يضاعف من الضغط النفسي. تقول نوف العاصي لـ"حقوق" إنها تحاول جاهدة تفريغ هذه الطاقة السلبية: "أحياناً أركز على الطبخ لأنه يريحني، وأحياناً أقرأ بعض الكتب. كما أحرص على التواصل مع معالجة نفسية، خصوصاً أنني أتعامل مع حالات انتهاكات جنسية وقصص عنف سرية". 

هذا التحدي ليس فردياً، بل هو ظاهرة عالمية. فبحسب "تحالف حماية الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في حالات الطوارئ" (MHPSS)، فإن العاملين في المجال الإنساني معرضون لمستويات مرتفعة من "الصدمة غير المباشرة" (Vicarious Trauma)، حيث تبدأ أعراض الصدمة بالظهور عليهم كما لو كانوا هم من عاشوا التجربة. 

أحياناً، في لحظات التعب القصوى، قد يتساءل العامل في هذا المجال: "لماذا ورّطت نفسي في هذا العمل؟". لكن، كما توضح نوف، فإن رؤية أثر العمل، ولو كان بسيطاً، تمنح دافعاً هائلاً للاستمرار. "رؤية الناس فرحين لأننا قدمنا لهم خدمة تمنح شعوراً عميقاً بالرضا وتعيد الطاقة للاستمرار". 

 

"الإسفنجة" التي تمتص الألم 

رغم هذا الأثر الإيجابي، يبقى ثقل العمل حاضراً، ويتسلل من غرف المشورة إلى الحياة الشخصية. تكشف نوف عن هذا التأثير العميق: "لهذا العمل تأثير على علاقاتي الشخصية؛ بعد كل مهمة، يلاحظ من حولي التغيير الذي حصل. منظوري للأشياء يتغير... أحياناً تقل علاقاتي الاجتماعية لأنني أجد نفسي أقارن بين تجارب دائرتي وتجارب النساء اللواتي أعمل معهن". 

هذا الشعور بالعزلة هو أحد الأعراض الكلاسيكية للاحتراق النفسي، وهو الثمن الخفي الذي تدفعه الكثيرات. تصف نوف العاملين في هذا الحقل بأنهم "يشبهون الإسفنجة؛ يمتصون الألم والطاقة السلبية والمشكلات الإنسانية، ومع مرور الوقت قد تبدأ آثار هذا الاستنزاف بالظهور عليهم". 

هنا تبرز الفجوة الكبرى في قطاع العمل الإنساني. ففي استطلاع أجرته صحيفة الغارديان وشمل أكثر من 750 عامل إغاثة، أفاد 79% منهم بأنهم عانوا من مشاكل تتعلق بالصحة النفسية، لكن 29% فقط شعروا بأن مؤسساتهم توفر لهم الدعم الكافي. 

تدرك نوف هذه الفجوة كمسؤولة فريق، وتحاول سدها بمبادرات فردية: "نحرص على جلسات أسبوعية وأنشطة للتفريغ النفسي. حالياً في دارفور، ومع ثقل الحالات، نعمل على توظيف شخص يقدم دعماً نفسياً للباحثات الاجتماعيات لتقليل الضغط عليهن". هذه المبادرات، رغم أهميتها، تسلط الضوء على ما يجب أن يكون سياسة مؤسسية راسخة، لا مجرد اجتهاد شخصي. 

 

"من لا يستطيع أن يعتني بنفسه لا يمكنه أن يساعد الآخرين" 

في مواجهة هذا الواقع، يُلقى عبء الرعاية النفسية غالباً على عاتق العاملات أنفسهن تحت مسمى "الرعاية الذاتية". تؤكد نوف أنها تحاول حماية نفسها: "أحاول أخذ يوم إجازة أسبوعياً أو مكافأة نفسي بعد كل فترة عمل مكثف". لكن الاعتماد على الرعاية الذاتية وحدها هو حل غير مكتمل وخطير، لأنه يتجاهل الأسباب الجذرية للاحتراق النفسي الكامنة في بيئة العمل نفسها. 

المبدأ الذي تؤكد عليه نوف يجب أن يتحول من نصيحة فردية إلى سياسة مؤسسية: "الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل حق أساسي. من لا يستطيع أن يعتني بنفسه لا يمكنه أن يساعد الآخرين". 

لحسن الحظ، بدأت بعض المؤسسات تدرك هذه الحقيقة. تقول نوف: "المؤسسة التي أعمل معها تولي هذا الموضوع اهتماماً، وقد وفرت معالجين نفسيين، وهناك نظام يضمن جلسة أسبوعية على الأقل. هذا الأمر منحني شعوراً بالراحة". لكن هذه التجربة الإيجابية لا تزال استثناءً وليست القاعدة، خاصة للمنظمات المحلية ذات الموارد المحدودة. 

إن تسليط الضوء على الصحة النفسية للعاملات في بيئات النزاع ليس أمراً ثانوياً، بل هو جزء أساسي من العدالة الإنسانية والجندرية. فحماية حقوق النساء لا تكتمل إلا بحماية النساء اللواتي يعملن من أجلهن، وضمان سلامتهن النفسية والجسدية. وكما تختتم نوف بنصيحة لمن يرغب في دخول هذا المجال: "أنصح كل من يشعر أن لديه الخبرة والقدرة أن يخوض هذه التجربة، فهي مجال غني بالتعلم والتأثير الإيجابي". لكن لضمان استمرارية هذا التأثير، يجب أن نتأكد أولاً أن شعلة الشغف التي تدفع هؤلاء النساء لن تنطفئ تحت وطأة الاحتراق الصامت.