منذ مطلع حزيران الجاري، دخلت المؤسسة الصحية العراقية في نفق مظلم من المواجهة بين الكوادر الطبية الشابة والجهات التنفيذية. فقد خاض أكثر من 5,000 طبيب مقيم دوري من دفعة 2024 صراعاً وجودياً مريراً عبر إضراب شامل في وجه سياسات التهميش وسلب المستحقات المالية التي امتدت لأربعة أشهر متتالية.

هذا الحراك، الذي استند إلى "حق الإضراب" المكفول دستورياً ودولياً، واجهته وزارة الصحة بعقلية إدارية قمعية تبدو في جوهرها كامتداد لـ "دكتاتورية ترتدي ثوب الديمقراطية"، محاولةً كسر الإرادة المهنية بلغة التهديد والوعيد بفسخ العقود.

إن تعامل الوزارة مع هذه الأزمة عبر التلويح بفسخ العقود والاستبدال القسري بخريجي الدفعات اللاحقة يمثل انتهاكاً صارخاً للأمان الوظيفي ومحاولة مفضوحة لـ "لي الأذرع". وفي هذا السياق، تأتي شهادة الدكتور مصطفى صفاء، الطبيب المقيم من محافظة ميسان، الذي يؤكد أن الإضراب لم يكن يوماً خطوة اعتباطية، بل هو رد فعل طبيعي ومشروع على انتهاك مستمر لحقوق الطبيب الأساسية.

ويحذر الدكتور صفاء من أن الوعود الشفهية التي أدت لتهدئة النفوس مؤقتاً قد تكون "فخاً" جديداً، خاصة بعد تجربة الوعود المنكوثة بالتثبيت في نيسان 2026، مؤكداً أن الفشل في الإيفاء بهذه الالتزامات سيؤدي حتماً إلى عودة الإضراب وبزخم أكبر لن ينفع معه لومٌ ولا عتب.

تعتمد الوزارة عقلية "حلول الترقيع" التي تحاول امتصاص الغضب بإجراءات سطحية، مثل رفع الرواتب العقدية إلى 600 ألف دينار بدلاً من 400 ألف دينار، متجاهلةً المطلب الأساسي المتمثل في التثبيت على الملاك الدائم وفقاً لـ (قانون التدرج الطبي رقم 6 لسنة 2000).

هذا التجاهل يعكس حجم الكارثة التي قد تترتب على انهيار الروح المعنوية للأطباء الشباب الذين يمثلون العمود الفقري للمستشفيات الحكومية. إن السياسة التي تفرط في حقوق الكوادر الطبية وتدفعهم نحو الشارع هي سياسة تفرط بالأمن الصحي القومي، وتعمق الفجوة بشكل خطير بين النخبة المهنية ومؤسسات الدولة.

لا تقف الأزمة عند حدود دفعة 2024، بل تمتد لتشمل دفعة 2023 التي ما زالت تخوض صراعها الحقوقي المرير. يشير حيدر حسين، ممثل دفعة 2023، إلى غياب العدالة الصارخ والتمييز غير المبرر الذي يترك المتبقي من الخريجين لمصير مجهول، في خرق واضح للقانون وتجاهل غريب لقرار مجلس الوزراء المرقم (24684) الذي منحهم الأولوية القصوى في التعيين

ورغم إعلان ممثلي دفعة 2024 عن تعليق الإضراب مؤقتاً بعد 14 يوماً من انطلاقه، كبادرة "حسن نية" استجابةً لزخم شهر محرم الحرام ولرسائل التهدئة الحكومية، إلا أن هذا التعليق لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية المطاف.

إن المنظومة الصحية التي تُدار بعقلية "لي الأذرع" والالتفاف على القوانين النافذة هي منظومة تفتقر للاستدامة وتغامر بأمن المجتمع الصحي. وإن الحل الجذري يكمن في مأسسة الحقوق عبر جدول زمني ملزم لإنصاف كافة الدفعات وصون كرامة الطبيب. إن تجاهل هذه المطالب لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة وتجريف ما تبقى من ثقة، مما يدفع بخيرة الكفاءات نحو الهجرة القسرية، ليظل المواطن العراقي هو الضحية الأكبر لفشل السياسات التي تفرط بحماة وطنه الصحيين.