لم يكن سقوط مدينة الموصل في العاشر من حزيران 2014 صاعقةً في سماء صافية، بل كان نتيجة حتمية لتراكمات من الفشل الاستراتيجي، والهشاشة المؤسساتية، والاحتقان السياسي. لم يكن الحدث مفاجئاً بالكامل للمراقبين، لكنه لم يكن قدراً محتوماً لو توفرت إرادة سياسية وعسكرية حقيقية لتدارك الأزمة. إن تفاعل عوامل الفساد، والعمى الاستخباراتي، والخطاب الطائفي في لحظة زمنية واحدة، هو ما أنتج واحداً من أسوأ الانهيارات العسكرية في التاريخ الحديث. 

عقيدة عسكرية هشة وحرب نفسية غير متكافئة  

على الصعيد العسكري، كشفت المعركة عن فجوة كارثية في العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية العراقية آنذاك. فقد أثبتت التقارير اللاحقة أن القيادات الميدانية كانت تفتقر لأدنى درجات الفهم لآليات "الحرب النفسية والإلكترونية"، مقتصرةً في رؤيتها على التكتيكات الكلاسيكية على الأرض. في المقابل، وظّف تنظيم "داعش" منصات التواصل الاجتماعي والآلة الإعلامية لشن حرب استباقية، نجحت في كيّ الوعي وزرع الرعب في صفوف القوات الأمنية والمدنيين على حد سواء. هذا الشلل النفسي، الممزوج بتقارير الفساد الهيكلي (مثل ظاهرة الجنود الفضائيين)، مهّد الطريق لانهيار دراماتيكي وسلس لصالح التنظيم. 

الإنكار الاستراتيجي وتخبط القرار أمنياً 

كانت مؤشرات السقوط تلوح في الأفق. فخلايا تنظيم القاعدة، التي استنسخت نفسها لاحقاً تحت راية "داعش"، كانت تنشط بحرية في أطراف نينوى وداخلها. ورغم التدهور الأمني المتسارع في الأيام التي سبقت السقوط، عاشت القيادات المحلية في حالة من "الإنكار". تجلى ذلك في نفي محافظ نينوى آنذاك وجود مسلحين، واكتفائه بفرض حظر تجوال كإجراء ترقيعي. هذا التخبط فضحه التناقض الصارخ يوم السقوط، حين صرح رئيس مجلس النواب الاسبق أسامة النجيفي بأن المحافظ كان قد أبلغ الأجهزة الأمنية مسبقاً بوجود تجمعات للمسلحين، مما يعكس غياب التنسيق وانعدام الثقة بين مؤسسات الدولة. 

فراغ القيادة ومقصلة التخوين في لحظة الانهيار 

 تبخرت الرؤية القيادية وحلت محلها سياسة "تقاذف المسؤوليات". ففي حين اتهمت الإدارة المحلية القوات الأمنية بالانسحاب الكيفي وتسليم المدينة على دفعات بدءاً من السادس من حزيران وحتى الانسحاب الشامل في التاسع منه، سارعت الحكومة المركزية في بغداد إلى تخوين السلطات المحلية، متهمة إياها بالتواطؤ وتسهيل دخول المسلحين، تاركين مليوني إنسان يواجهون مصيراً مجهولاً. 

الخطاب الطائفي كوقود للأزمة  

لم تكن الأزمة عسكرية فحسب، بل كانت أيديولوجية بامتياز. فبدلاً من احتواء الموقف بخطاب وطني جامع بعد إعلان حالة الطوارئ، انزلقت الحكومة برئاسة نوري المالكي نحو خطاب طائفي خطير. تجلى ذلك في تصريحاته التي سبقت وتزامنت مع تلك المرحلة (كوصفه معارك الأنبار بأنها بين أنصار الحسين وأنصار يزيد). هذا الاستدعاء للتاريخ الدموي أعطى الصراع صبغة طائفية، وعمّق الفجوة بين المواطن والدولة، ووفر لداعش بيئة حاضنة استثمرها لتقديم نفسه كـ"مُخلّص". 

ثقافة الإفلات من العقاب  

لعل الجرح الأعمق في الذاكرة العراقية هو غياب العدالة. فرغم تشكيل لجنة برلمانية استغرق عملها ثمانية أشهر لتقصي حقائق سقوط الموصل، وانتهت بتقرير رسمي حمّل رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي و35 مسؤولاً سياسياً وعسكرياً مسؤولية الكارثة، إلا أن هذا التقرير أُجهض سياسياً. وإلى اليوم، وبعد مرور 12 عاماً، لم تُحاسب الرؤوس الكبيرة، واقتصرت المحاكمات على عدد محدود جداً من الضباط، مما رسخ ثقافة "الإفلات من العقاب". 

هل يعود داعش؟ (المشهد بعد 12 عاماً) 

 السؤال الأهم اليوم: هل يمكن أن يُعاد السيناريو؟ إذا نظرنا إلى الواقع الميداني والسياسي، نجد أن "التنظيم" بشكله التقليدي (كقوة تسيطر على الأرض وتعلن دولة) قد لا يعود، لكن "البيئة المنتجة للأزماتلا تزال قائمة، بل وربما تعمقتالعقلية السياسية التي تدير المشهد لم تتغير؛ فالبعد الطائفي تجذر في مؤسسات الدولة، ومدينة الموصل اليوم تحولت إلى بقعة تتقاسم النفوذ فيها عدة فصائل مسلحة، تدير ما يُعرف بـ"المكاتب الاقتصادية" التي تفرض الإتاوات وتخنق التعافي الاقتصادي للمدينةعسكرياً، ورغم الخبرة القتالية الكبيرة التي اكتسبتها القوات العراقية خلال حروب التحرير، إلا أن المنظومة الدفاعية لا تزال تفتقر للتسليح السيادي الرادع، وهو ما كشفته بوضوح الاعتداءات الأمريكية المتكررة على الأراضي العراقية دون قدرة على الرد أو الردع. 

اذ أن سقوط الموصل لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل كان سقوطاً لمفهوم "الدولة". وما لم تُعالج الأسباب الجذرية المتمثلة في السلاح المنفلت، والفساد، وغياب العدالة الانتقالية، فإن سيناريو الانهيار قد يتكرر، ربما ليس برايات سوداء هذه المرة، بل بأشكال أخرى من الفوضى واللادولة.