في السادس عشر من أيار 2026، وبينما كان العراق يحيي "اليوم الوطني للمقابر الجماعية"، باشرت الفرق الفنية التابعة لدائرة حماية المقابر الجماعية أعمال التنقيب في موقع "سهل عكاز" بناحية الصقلاوية. هذا التحرك، الذي جاء وسط ضغوط حقوقية متزايدة، لم يكن مجرد إجراء فني، بل أعاد نبش واحد من أكثر الملفات قسوة وحساسية في تاريخ العراق الحديث: ملف المغيبين قسراً. 

كشفت العمليات الأولية عن خارطة مفزعة؛ عشر مقابر جماعية تم تحديدها، نُقب في ثلاث منها حتى الآن، لتسفر عن استخراج رفات 16 شخصاً (10 في الأولى، 5 في الثانية، ورفات واحدة في الثالثة). ورغم أن أعمال التنقيب لا تزال مستمرة، إلا أن "صراع الروايات" بدأ يطفو على السطح قبل جفاف الأتربة عن الرفات. ففي حين سارعت مؤسسة الشهداء لنسب هذه القبور إلى حقبة الثمانينيات (النظام السابق)، فضلت محافظة الأنبار التريث في إعلان النتائج النهائية، مما أثار شكوكاً حول محاولات "تسييس الموت" وتوجيه هوية الضحايا بعيداً عن الاستحقاقات الحقوقية الراهنة. 

إن الحساسية المفرطة لاكتشافات الصقلاوية تنبع من ارتباطها المباشر بوقائع عام 2016. ففي تلك المنطقة، فُقد أثر نحو 1300 رجل وطفل من أبناء الصقلاوية أثناء عمليات النزوح، بعدما تم احتجازهم من قبل فصائل مسلحة، وفقاً لتقارير موثقة من منظمة العفو الدولية. بالنسبة لآلاف العائلات المنتظرة، لا تمثل رفات "سهل عكاز" مجرد عظام، بل هي "دليل جنائي" محتمل قد ينهي عقدة الانتظار المرير أو يثبت تورط جهات نافذة في جرائم إخفاء قسري لم تُحسم بعد. 

إن التعامل مع ملف المقابر الجماعية في الصقلاوية يتطلب ما هو أبعد من الفرق الفنية؛ إنه يتطلب "إرادة سياسية" تضمن أعلى درجات الشفافية والاستقلالية. إن أي محاولة لتقديم نتائج "جاهزة" أو الخضوع لضغوطات تهدف لتمييع الحقائق، لن تؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطن والدولة. إن إنصاف الضحايا يبدأ من الاعتراف بالحقيقة، مهما كانت مرارتها، ومنح العائلات حقها الدستوري والقانوني في معرفة مصير أحبائها بعيداً عن صفقات الترضية السياسية. 

  في المحصلة، تظل مقابر الصقلاوية اختباراً حقيقياً لمصداقية الدولة في ملف العدالة الانتقالية. إن كشف الحقيقة ليس مجرد إجراء حقوقي، بل هو شرط أساسي للسلم الأهلي. فبدون محاسبة الجناة وتحديد مصير المغيبين، ستبقى هذه المقابر ثقوباً سوداء في ذاكرة الوطن، تمنع طي صفحة الألم وتُبقي العدالة رهينةً للنسيان المتعمد