في 25 تشرين الأول 2026، لم يقتصر المشهد على استعادة انتفاضة 2019. فقد عادت إلى الشارع مطالب تتعلق بالمحاسبة والمحاصصة والأوضاع المعيشية، لتطرح سؤالاً عن الأسباب التي أبقت تشرين حاضرة في السياسة العراقية. 

في كل عام، تحل ذكرى انتفاضة تشرين 2019 وتعود معها صور ساحة التحرير، وأعلام العراق، وشعارات "نريد وطن"، وأسماء الذين قُتلوا أو أُصيبوا أو اختفوا خلال الاحتجاجات. لكن الذكرى السابعة، في 25 تشرين الأول 2026، حملت ما يتجاوز استعادة الماضي. فالمشاركون لم يأتوا لتذكر ما حدث عام 2019 فحسب؛ بل رفعوا مطالب تتصل بما يحدث اليوم: المحاسبة، والفساد، والمحاصصة، والبطالة، والأوضاع الاقتصادية، وحصر السلاح بيد الدولة. 

لا يعني ذلك أن انتفاضة جديدة قد بدأت، أو أن المحتجين باتوا يتحركون ضمن مشروع سياسي موحد. لكن اتساع جدول المطالب وتنوعها يطرحان سؤالاً مختلفاً: لماذا ما زالت مناسبة يفترض أنها تستعيد حدثاً من الماضي قادرة على جمع اعتراضات تتعلق بالحاضر؟ 

ذكرى لم ينتهِ موضوعها 

من السهل التعامل مع تشرين بوصفها محطة تاريخية في الاحتجاجات العراقية؛ انتفاضة بدأت بمطالب تتعلق بالعمل والخدمات ومكافحة الفساد، ثم اتسعت لتواجه بنية النظام السياسي وطريقة توزيع السلطة. لكن هذا التعامل يصبح أقل إقناعاً حين تعود المطالب نفسها، أو تتخذ أشكالاً جديدة، بعد سبع سنوات. 

فالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين ليست مطلباً متعلقاً بالماضي وحده. إنما سؤال عن قدرة المؤسسات الحالية على إنفاذ القانون، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وكذلك فإن الاعتراض على المحاصصة لا يتعلق فقط بالطريقة التي تشكلت بها الحكومات، بل بأثرها في إدارة المؤسسات العامة وتوزيع الموارد والفرص. 

في تظاهرات هذا العام، تداخلت المطالب المتعلقة بضحايا تشرين مع الاعتراض على استحداث مناصب حكومية جديدة، والضغوط الاقتصادية، والبطالة، والفساد. وبهذا المعنى، لم تكن الذكرى بديلاً عن الاحتجاج على الحاضر، بل مناسبة لتجديده. 

لكن هل يكفي هذا التداخل للقول إن تشرين استعادت زخمها؟ ليس بالضرورة. فالتجمع في مناسبة واحدة لا يثبت وجود حركة موحدة، كما أن تشابه الشعارات لا يعني بالضرورة اتفاق المشاركين على برنامج سياسي واحد. ما يمكن قوله هو أن القضايا التي ارتبطت بالانتفاضة لم تفقد قدرتها على استدعاء الاحتجاج، حتى إن تغيرت أشكاله وأولوياته. 

 

حين تصبح المناصب خبراً عن الاقتصاد 

أحد أوجه الاعتراض التي ظهرت في نقاشات هذا العام يتعلق باستحداث مناصب حكومية وزيادة عدد المواقع العليا، في وقت تتواصل فيه الشكاوى من البطالة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على فرص العمل. وقد يبدو هذا اعتراضاً على الإنفاق العام، لكنه يحمل سؤالاً سياسياً أوسع: كيف تُحدَّد أولويات الدولة، ولمن تُوجَّه مواردها؟ 

حين يواجه خريج عراقي صعوبة في الحصول على عمل، أو تجد أسرة أن دخلها لم يعد يكفي احتياجاتها، تصبح الأخبار المتعلقة بتوسيع التشكيلات الحكومية جزءاً من النقاش حول العدالة في توزيع الأعباء. فالمواطن لا يقيس السياسة الاقتصادية بالأرقام المعلنة وحدها، بل بما يلمسه في حياته اليومية، وبمدى وضوح القرارات التي تؤثر في دخله وفرصه ومستقبله. 

ولا يعني ذلك أن كل منصب مستحدث غير ضروري، أو أن كل إنفاق حكومي يمثل هدراً. لكن إنشاء المناصب وتوسيع الهياكل الإدارية ينبغي أن يخضعا لمعايير معلنة تتعلق بالحاجة والكلفة والفاعلية، وأن يكونا قابلين للرقابة العامة. أما إذا طُلب من المواطنين تقبّل إجراءات تقشفية أو تحمّل أعباء اقتصادية، من دون تفسير مقنع للأولويات الحكومية، فإن الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية تصبح جزءاً من المشكلة السياسية نفسها. 

هنا تلتقي المسألة الاقتصادية مع نقد المحاصصة. فالسؤال ليس فقط كم منصباً أُضيف، بل كيف تُتخذ قرارات التعيين، وما دور التوافقات الحزبية فيها، وما إذا كانت المؤسسات تُدار وفق الحاجة العامة أم وفق التوازنات السياسية. وهذه أسئلة تحتاج إلى فحص القرارات والميزانيات والبيانات الرسمية، لا إلى الاكتفاء بالانطباعات أو الشعارات. 

 

الفساد ليس قضية منفصلة عن الحقوق 

غالباً ما تُطرح مطالب مكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل باعتبارها ملفات منفصلة عن حقوق الإنسان. لكن الفصل بينها يغفل العلاقة بين إدارة الموارد العامة وقدرة الناس على التمتع بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. 

فحين تتعثر الخدمات، أو تضيق فرص العمل، أو تصبح الوظيفة العامة مرتبطة بشبكات النفوذ، لا تكون المشكلة إدارية فقط. إنها تمس تكافؤ الفرص، والمساواة في الوصول إلى الخدمات، وقدرة المواطنين على العيش بكرامة. كما أن ضعف الشفافية في القرارات العامة يحدّ من قدرة المجتمع على معرفة من اتخذ القرار، وعلى أي أساس، ومن يتحمل المسؤولية عن نتائجه. 

ومن هذا المنظور، فإن الاعتراض على المحاصصة لا يُختزل في خلاف بين القوى السياسية، بل يتصل بمبدأ خضوع المؤسسات العامة للمساءلة، وبحق المواطنين في معرفة كيفية إنفاق المال العام. ولا يمكن تقييم أي إصلاح بمجرد الإعلان عنه؛ بل بما يحققه من نتائج، وبمن يستفيد منه، وبمدى خضوعه للرقابة. 

لكن هذا التفسير لا ينبغي أن يحوّل جميع مشكلات العراق إلى نتيجة واحدة. فالأزمات الاقتصادية تتأثر بعوامل متعددة، بينها الاعتماد على النفط، وتقلبات الإيرادات، والسياسات المالية، وسوق العمل، والظروف الإقليمية. لذلك، فإن التحليل الجاد لا يكتفي بربط كل أزمة بالمحاصصة، لكن المحاصصة وما ولدته من سوء ادارة ادى الى غياب رؤية اقتصادية او سيادة فتقاسم السلطة بهذا الشكل ادى الى تفكك واضح في جميع مناحي الحياة 

  

سبع سنوات من دون إجابة كافية 

إذا كانت المطالب الاقتصادية والسياسية تفسر جانباً من عودة الاحتجاج، فإن العدالة عن انتهاكات تشرين تفسر لماذا لا يمكن فصل الذكرى عن الحق في المحاسبة. 

خلال احتجاجات 2019 وما تلاها، تعرض متظاهرون وناشطون للقتل، والإصابة، والاختطاف، والاغتيال. ووثقت منظمات حقوقية انتهاكات وانتقدت محدودية المساءلة عن مرتكبيها. وبعد سبع سنوات، لا يزال مطلب كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين حاضراً في الخطاب الاحتجاجي. 

إن مرور الوقت لا يحوّل الانتهاك إلى واقعة منتهية، ولا يجعل المطالبة بالعدالة مجرد استذكار عاطفي. فالعدالة تتطلب تحقيقات مستقلة وفعالة، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم. كما تتطلب ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات. 

ولا تتعلق المسألة بالضحايا وحدهم. فحين لا يرى المجتمع نتائج واضحة في القضايا التي تمس الحق في الحياة والسلامة الجسدية وحرية التعبير، يصبح من المشروع التساؤل عن فاعلية المؤسسات الرقابية والقضائية، وعن قدرة المواطنين على محاسبة السلطة بوسائل قانونية وسلمية. 

ومن هنا، تكتسب الذكرى معناها السياسي: ليس لأن الماضي يعيد نفسه بالضرورة، بل لأن بعض الأسئلة التي طرحها المحتجون لم تحصل على إجابات كافية. والمطلوب ليس تكرار الوعود، بل نشر المعلومات المتعلقة بالقضايا والتحقيقات، وتوضيح ما أُنجز وما لم يُنجز، وتحديد المسؤوليات عن التأخير أو التقصير. 

 

حماية التظاهر تبدأ قبل وصول المحتجين إلى الساحة 

سبقت تظاهرات هذا العام توجيهات حكومية بتأمين الاحتجاجات السلمية، فيما شهدت بغداد إجراءات أمنية مشددة. لكن ضمان حق التظاهر لا يُقاس بحجم الانتشار الأمني، ولا بمجرد إبقاء الطرق مفتوحة؛ بل بقدرة المواطنين على التنظيم والوصول إلى أماكن الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم دون ترهيب أو توقيف تعسفي أو استخدام غير متناسب للقوة. 

وقد وردت شهادات عن استدعاء ناشطين في الناصرية وتوقيف شبان في بغداد على خلفية الدعوة إلى التظاهر. وتحتاج هذه الادعاءات إلى اجابة حكومية وتوضيح من الجهات المعنية، لكن وجودها يستدعي التعامل معها بجدية، لا سيما في مناسبة تستحضر تاريخاً من العنف ضد المحتجين. 

فالتوجيهات الرسمية بحماية التظاهرات لا تُغني عن مراقبة تنفيذها والتحقيق في أي تجاوزات محتملة. كما أن حماية الحق في التجمع السلمي تقتضي ألا يُعامل تنظيم الاحتجاج أو الدعوة إليه باعتباره تهديداً بحد ذاته. وينبغي أن تكون أي قيود على التظاهر مستندة إلى القانون، وضرورية ومتناسبة، لا وسيلة لمنع النقد أو إفراغ الاحتجاج من مضمونه. 

وفي هذا السياق، لا تنفصل حماية المتظاهرين عن حماية الصحفيين والناشطين الذين يوثقون الأحداث. فالمساءلة تتطلب بيئة يستطيع فيها الناس تقديم الشكاوى والشهادات ونشر المعلومات من دون خوف من الانتقام. 

 

هل عادت تشرين، أم عادت أسبابها؟ 

ربما يكون السؤال الأكثر دقة بعد تظاهرات 25 تشرين ليس ما إذا كانت تشرين قد عادت، بل ما الذي بقي منها حاضراً في المجتمع، وما الذي تغيّر في أشكال التعبير عن المطالب. 

فالحراك الذي شهدته البلاد عام 2019 لا يمكن اختزاله في تظاهرة سنوية أو شعار مشترك. كانت هناك فئات ومطالب وتجارب متعددة، كما واجهت الحركة تحديات تتعلق بالتنظيم والاستمرارية والاختلافات السياسية. ولا تكفي التظاهرات الحالية وحدها للحكم بأن تلك التحديات قد حُسمت أو أن حركة وطنية موحدة قد تشكلت من جديد. 

لكن عودة المطالب الاقتصادية والسياسية والحقوقية إلى واجهة الذكرى تعني أن التعامل معها بوصفها ملفاً تاريخياً مغلقاً لا يفسر المشهد الحالي. فالمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين تتصل بالعدالة، والاعتراض على المحاصصة يتصل بإدارة السلطة، والاحتجاج على الأوضاع المعيشية يتصل بتوزيع الموارد والفرص، والدفاع عن حرية التظاهر يتصل بحدود السلطة وحقوق المواطنين. 

هذه ليست قضايا متطابقة، لكنها تتقاطع في سؤال واحد: كيف يمكن للمواطن أن يؤثر في القرارات التي تحدد حياته، وأن يطالب بالتغيير من دون أن يتعرض للتهديد أو الإقصاء؟ 

بعد سبع سنوات، لا تُقاس أهمية تشرين بقدرتها على تكرار مشهد 2019، بل بقدرتها على إبقاء أسئلتها مفتوحة أمام المجتمع والسلطات. وما إذا كانت هذه الأسئلة ستتحول إلى مسار احتجاجي مستمر، فذلك يتوقف على عوامل لا يمكن حسمها من خلال يوم واحد، بينها قدرة المشاركين على تنظيم مطالبهم، وبناء آليات متابعة، والحفاظ على استقلال حراكهم وسلميته. 

أما مسؤولية الدولة، فلا تتوقف عند تأمين ذكرى سنوية. إنها تبدأ من معالجة المطالب التي ما زالت قائمة، وكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات، وضمان حق المواطنين في التظاهر، وإخضاع القرارات العامة للمساءلة. فحين تتحول الذكرى إلى احتجاج على الحاضر، لا يعود السؤال لماذا يتذكر الناس تشرين؛ بل لماذا ما زالوا يجدون في شوارعها وأسئلتها ما يستحق العودة إليه.