
بعد مرور عام على تطبيق المدونة الجعفرية على النساء العاقدات على المذهب الجعفري، بدأت آثارها تظهر في قضايا تمس حياة النساء والأطفال وحقوق الأسرة. وتبرز قضية الحضانة في مقدمة هذه الآثار، بعدما لجأ آباء منفصلون إلى تطبيق أحكام المدونة على أطفالهم، بما أتاح في حالات موثقة انتزاع الحضانة من أمهاتهم. غير أن المسألة لا تتعلق بإجراء قانوني معزول؛ فهي تكشف كيف يمكن للنصوص القانونية أن تعيد تنظيم السلطة داخل الأسرة، وأن تجعل النساء والأطفال الطرف الأضعف في معادلة يفترض القانون أن يحمي حقوق جميع أفرادها.
من هنا، لا يأتي احتجاج الأمهات بوصفه رد فعل فرديًا على خسارة حضانة أو نزاع عائلي، إنما بوصفه مقاومة نسوية لسياسات تُتخذ على أجساد النساء وحيواتهن ومستقبل أطفالهن. وحين توثق أم تجربتها وتنشرها، فهي لا تروي ألمًا خاصًا فحسب؛ إنها تنتج معرفة من موقع التجربة، وتكشف الفجوة بين ما تقوله النصوص وما تفعله في الحياة اليومية. هكذا تتحول الشهادة الفردية إلى جزء من وعي جماعي، وتصبح المنصة الرقمية مساحة لربط الحالات ببعضها وتحويلها إلى قضية عامة.
توضح شهادة أم مسك، إحدى المتضررات من المدونة، هذا الانتقال من الألم الفردي إلى الاحتجاج الجماعي. فهي ترى أن موجة التضامن «مهمة جدًا لنا كأمهات ولقضيتنا»، خصوصاً في ظل انتزاع الحضانة «دون مراعاة مصلحة المحضون». وتشير إلى حالات موثقة لآباء يسحبون أطفالهم بقسوة أمام المحاكم، بينها واقعة حدثت في بغداد خلال أيلول، حين جرّ أحد الآباء طفلتين وعنّفهما في الشارع وهما تحاولان البقاء مع والدتهما، بعد حصوله على حضانتهما. لا تورد أم مسك هذه الواقعة لاستدرار التعاطف، بل لتبيّن كيف يمكن لتطبيق النص أن يتحول إلى عنف ملموس في حياة الأطفال والأمهات. وفي الوقت نفسه، تضع شهادتها التضامن في مواجهة غياب القرار السياسي، قائلة إن «ما زال هناك غياب مستمر للاستجابة من أصحاب القرار».
بهذا المعنى، لا يعدّ التوثيق الرقمي ملحقًا بالاحتجاج، بل أحد أشكاله الأساسية. فكل قصة تنشرها أم، وكل حالة يعاد تداولها، وكل معلومة تُشرح حول المدونة، تفتح باباً للنقاش وتمنع تحويل التجربة إلى حادثة معزولة. المنصات الرقمية ميدان سياسي للحراك النسوي وأداة مقاومة تتجاوز صمت المؤسسات وبطء الاستجابة الرسمية؛ فيها تلتقي الأصوات، وتتقاطع الشهادات، وتتشكل أرشيفات نسوية تحفظ ما يحدث وتطالب بالمحاسبة.
ولا يكتفي هذا الحراك بإنتاج الشهادة، إنما يبني أشكالًا عملية من الإسناد. خلال إطلاق شبكة الدعم القانوني التابعة لتحالف ١٨٨ للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية، أوضحت المحامية مروة رضا أن المبادرة الحقوقية العراقية تعمل في بغداد والبصرة وذي قار والنجف وبابل وواسط، وتضم محامين ومحاميات لتقديم المشورة والدعم المتخصص للنساء المتضررات من التعديل. ووفق إفادتها، قُدمت ١٨٣ استشارة قانونية، تصدرت فيها قضايا الحضانة والنفقة قائمة الاستشارات بنسبة ٨٩٪ من إجمالي المستفيدات. تكشف هذه الأرقام أن ما يُختزل في الخطاب العام بعنوان “قضية حضانة” هو شبكة واسعة من الاحتياجات القانونية والاقتصادية التي تواجهها النساء بعد الطلاق أو أثناء النزاع الزوجي.
ومن الداخل إلى الخارج، يتسع هذا الإسناد عبر التضامن العربي والدولي والإعلامي. فقد شاركت ناشطات ومؤثرات عراقيات وعربيات وأجنبيات، إلى جانب منصات إعلامية، في التعريف بالحملة وتوسيع جمهورها. ووثقت «سكاي نيوز عربية» الحملة في تقرير بعنوان «أنقذوا النساء العراقيات من القانون الجعفري»، وسلطت الضوء على وسم «لا للمدونة الجعفرية» وعلى آراء الرافضات والرافضين لها. كما شاركت ناشطات من مصر ولبنان ومنصات نسوية، من بينها «خطيرة»، التي نشرت مادة بعنوان «لماذا نقول مع العراقيات كلا للقانون الجعفري؟»، فضلًا عن موقع «درج». هذه المشاركة الإعلامية والنسوية لا تصادر محلية القضية؛ بل تمنح أصوات النساء العراقيات مساحة أوسع، وتحوّل التضامن إلى شبكة تتشابك فيها الخبرات والمنصات واللغات.
ولا ينفصل هذا الحراك الرقمي عن الاحتجاج في الشارع أو عن الطرق التي سلكتها النساء أمام مجلس النواب والقضاء والمؤسسات. إنه امتداد له ومساحة أخرى لاستمراره حين تُغلق الأبواب أو لا تجد المطالب الاستجابة التي تستحقها. ومن قصة أم إلى قصة أخرى، ومن منشور إلى حملة، ينتقل الاحتجاج من حالة فردية إلى فعل جماعي يعيد تعريف القضية بوصفها شأنًا سياسيًا عامًا يتعلق بحقوق النساء والأطفال والعدالة داخل الأسرة.
في مقابل هذا الاتساع، ظهرت محاولات لتسقيط الحملة والطعن بها وتخوينها. وتكتسب شهادة رائد المالكي، النائب السابق وأحد عرّابي تعديل قانون الأحوال الشخصية والمدونة الجعفرية، أهمية خاصة هنا؛ فهي ليست مجرد رأي مقابل في نقاش هادئ، إنما جزء من خطاب سياسي يسعى إلى نزع الشرعية عن احتجاج النساء. فقد وصف ما يجري بأنه «حملة منظمة» تقف وراءها «أجندة خارجية» ومنظمات دولية، وتحدث عن «توجيه مؤثر» في الموضوع. بهذه اللغة، يجري نقل النقاش من مضمون مطالب الأمهات والوقائع التي يوثقنها إلى التشكيك في نواياهن، وتصوير حملتهن بوصفها مؤامرة أو تدخلاً خارجيًا، أي تحويل التضامن إلى تهمة والاحتجاج إلى خيانة.
إن هذا الخطاب لا يفنّد شهادة أم مسك، ولا يجيب عن أرقام شبكة الدعم القانوني، ولا يلغي التقارير الإعلامية أو مشاركة الناشطات؛ إنما يكشف حجم القلق من قدرة النساء على إنتاج خطاب عام وبناء تضامن يتجاوز الحدود. فوجود دعم عربي ودولي لا يلغي محلية القضية، كما أن مشاركة منصات إعلامية أو منظمات حقوقية لا تنفي أن النساء أنفسهن بدأن الاحتجاج ودفعن ثمنه وامتلكن روايته. إن الطعن بالحملة وتخوينها محاولة لإسكات النساء عبر التشكيك في مصادر قوتهن، بدل مواجهة السؤال الأساسي: ماذا يحدث للأمهات والأطفال، ولماذا تغيب الاستجابة السياسية؟
ما يحدث اليوم مهم لأنه يعيد تعريف معنى الحراك النسوي في العراق وأدواته. فالمقاومة ليست فقط في التظاهر المباشر؛ إنها أيضًا في أن تكتب امرأة، وأن توثق أم، وأن تنقل ناشطة شهادة، وأن تقدم محامية استشارة، وأن تفتح منصة إعلامية مساحة للصوت، وأن تتضامن نساء من بلدان مختلفة. من الشارع إلى المنصة الرقمية، ومن العراق إلى الفضاءين العربي والدولي، يتشكل حراك يربط الخاص بالسياسي ويقول بوضوح إن حقوق النساء والأطفال ليست شأناً عائلياً مغلقاً، وإن أي قانون يعيد إنتاج التمييز سيواجه نساءً قادرات على التنظيم والكلام وبناء التضامن.
