في الذكرى الثالثة لمقتل طيبة العلي على يد والدها، تعود النساء والمدافعات عن حقوق المرأة إلى استحضار هذه الجريمة، لا بوصفها حادثة فردية أو عابرة، بل كجريمة قانونية وإنسانية مكتملة الأركان، وكفعل مقاومة ضد النسيان والتطبيع. فاستذكار طيبة هو تذكير بأن قتل النساء جريمة يعاقب عليها القانون، ومخالفة صريحة للدستور العراقي، ولكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي صادق عليها العراق، ولا يمكن تبريرها تحت أي مسمى.

قُتلت طيبة فقط لأنها امرأة. فالعنف ضد النساء ما يزال يُمارس علناً تحت غطاء ما يُسمّى بـ“جرائم الشرف”، وهي جرائم تستند إلى أعراف اجتماعية ونصوص قانونية مخفِّفة للعقوبة، تُشرعن القتل وتُفرغ العدالة من معناها. هذا الغطاء هو ما يجعل قتل النساء فعلاً متكرراً لا استثناءً، ويحوّل أجساد النساء إلى ساحات مباحة للعقاب والسيطرة.

طيبة العلي ليست اسماً فردياً، بل ذاكرة حيّة لمصير آلاف النساء اللواتي قُتلن بذريعة “غسل العار”، ودُفعت أرواحهن ثمناً لكونهن نساء في مجتمعات ترى في قتل النساء حكمة، وفي العنف فضيلة، وفي الهيمنة حقاً. إن المجتمعات التي يُقتل فيها النساء بشكل اعتيادي لا يمكن وصفها بالآمنة؛ بل هي بيئات عدائية للنساء، وهشّة، وتنتج الخوف بدل الأمان.

قُتلت طيبة أمام الجميع، وفي سياق كان القاتل فيه مدركاً تماماً أنه محمي. لم تكن الجريمة لحظة غضب، بل فعلاً محسوباً في ظل منظومة قانونية واجتماعية تُخفف العقوبة وتُرسل رسالة واضحة مفادها أن دم المرأة ليس دماً كاملاً. كتب والدها تعهداً شكلياً بعدم التعرّض لها، ثم قتلها، ثم سلّم نفسه، لأنه كان يعلم مسبقاً ما الذي يتيحه له القانون، وما الذي يتغاضى عنه.

هذا الفهم المختل للعدالة تجلّى بوضوح في تصريح الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية آنذاك، حين قُدِّمت الجريمة من “وجهتي نظر”: قانونية ومجتمعية. إذ قال اللواء سعد معن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي):
“من منظور القانون، هو حادث إجرامي، ومن وجهة نظر أخرى، فهو حادث قتل للدفاع عن الشرف”.

هذا التصريح لا يشرح الجريمة فحسب، بل يكشف كيف يُدار الخطاب الرسمي حول قتل النساء، وكيف يُمنح القاتل مساحة أخلاقية وقانونية للتبرير، في تعارض واضح مع الدستور العراقي، ومع التزامات العراق الدولية في حماية الحق في الحياة، وعدم التمييز، وضمان سلامة النساء.

إن تكرار هذه الجرائم، واستمرار الإفلات من العقاب، يخلق بيئة غير آمنة للنساء كافة، وبشكل خاص للحقوقيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع منظومة عنف قانونية واجتماعية. ومع ذلك، تبقى أهمية استحضار هذه القضايا والدفاع عنها فعلاً ضرورياً، لأن الصمت هو الوجه الآخر للجريمة، ولأن الذاكرة النسوية ليست رثاءً، بل مقاومة.

أصبحت طيبة رمزاً؛ رمزاً لكل النساء اللواتي قُتلن وأُهدرت دماؤهن لإرضاء سلطة العشيرة، وترسيخ نظام يرى في جسد المرأة أداة للضبط والعقاب. نكتب إلى طيبة، وإلى كل الأخريات، كي لا ننسى قصصكن، وكي نُذكّر بأن القانون الذي يحمي القتلة ليس قانوناً، بل أداة عنف، وأن العُرف الذي يبرر القتل نظام سيطرة.

في الذكرى الثالثة لمقتل طيبة، نرثيها كذاكرة حيّة، وكوعدٍ بألّا تُنسى. لقد أصبحت طيبة اسماً جامعاً لكل النساء اللواتي قُتلن ولم نعرف أسماءهن. نكتب لا لنبكيها، بل لنرفض نهايتها. نكتب لأن التذكّر فعل سياسي، ولأن العدالة، مهما تأخرت، قادمة.

فقيدتنا طيبة…
لن ننسى.