
في 31 آب 2026، قال رئيس منظمة بدر هادي العامري إن «المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين، وحفظت الدولة والنظام السياسي». أعادت العبارة إلى الواجهة سؤالاً لم يُحسم منذ احتجاجات تشرين 2019: من كان وراء المسلحين الذين استهدفوا المحتجين والناشطين، ومن يملك قرار استخدام القوة حين تتعارض مطالب الشارع مع مصالح القوى السياسية؟
لكن السؤال يتجاوز تصريح العامري نفسه. فإذا كانت الديمقراطية تُختزل في وجود الانتخابات، فإن العراق يستطيع أن يقدّم دليلاً على استمرار العملية الانتخابية منذ 2005. أما إذا كانت الديمقراطية تُقاس أيضاً، وعلى نحو أولى، بمخرجاتها، لا بأدواتها فقط، وفي صدارة ذلك سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، من دون أي تمييز على أي اعتبار كان، وديمومة الحقوق والحريات، التي من واجبات الدولة حمايتها، وضمان المساءلة الشعبية، والمشاركة السياسية بأشكالها كافة، ومنها حياة الأحزاب متكافئة الفرص والمجتمع المدني الفاعل، كل هذا فضلًا عن التداول السلمي للسلطة، نقول: إذا كان كل هذا هو مقياس الديمقراطية، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً.
ينبّه الباحث حيدر سعيد على أن الأدبيات المتعلقة بالانتقال الديمقراطي، تميز بين مرحلتين مختلفتين: الانتقال الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية. ويرى أن العراق بعد 2003 خاض بلا شك عملية انتقال، كانت تسعى إلى تفكيك إرث النظام الاستبدادي عبر ثلاثة مسارات: يتمثل الأول في بناء أركان النظام الديمقراطي، بما يتضمن من انتخابات، ودستور، وحياة برلمانية، وفصل بين السلطات، وقضاء مستقل، وإعلام حر، والسماح بمجتمع مدني نشط، وما إلى ذلك، واستقلال القضاء والإعلام الحر والمجتمع المدني. والمسار الثاني يقوم على تأسيس نظام لامركزي، بديلًا للمركزية الشديدة، والثالث بناء نظام يشرك المجموعات الإثنية في مؤسسة السلطة.
لكن هذا الانتقال واجه منذ البداية اختلافاً بين الرؤية الأمريكية للعملية السياسية ورؤية النخبة العراقية التي أدارتها.
وبالنسبة إلى سعيد، لا تمثل الانتخابات المعيار الأساس لقياس ديمقراطية النظام؛ فهي وإن انتظمت واستمرت، إلا إن ذلك لم يكن كافياً لبلوغ مرحلة ترسيخ الديمقراطية، فالمخرجات "الديمقراطية" ضئيلة في حصيلتها، سواء سيادة القانون والمساواة أمامه، والفصل بين السلطات، والحريات العامة، وفاعلية المجتمع المدني. وفي تقديره، تراجعت هذه العناصر تدريجياً، فيما بقيت الانتخابات عنصرًا ثابتا في النظام السياسي.
هنا تظهر المسافة بين إجراء الانتخابات وتداول السلطة. فالانتخابات تمنح الناخبين القدرة على تغيير التمثيل البرلماني، لكنها لا تعمل في فراغ. بعد إعلان النتائج تبدأ عملية أخرى تتعلق بتشكيل الكتلة الأكبر والحكومة وتوزيع المناصب. وفي النظام العراقي، لعبت التوافقات السياسية وتقاسم السلطة دوراً أساسياً في هذه العملية، بحيث لا يتطابق بالضرورة حجم التمثيل الانتخابي مع موقع كل قوة داخل السلطة التنفيذية.
المحاصصة هنا ليست مجرد توزيع للمناصب بين مكونات المجتمع. فقد تحولت، عبر الممارسة السياسية، إلى طريقة لإدارة السلطة والتفاوض عليها. وتصف دراسات حديثة النظام العراقي بأنه مزيج من الإجراءات الدستورية والتوافقات غير الرسمية وتقاسم النفوذ، مع استمرار تأثير الترتيبات الإثنية والطائفية على تشكيل الحكومات.
المشكلة الديمقراطية في هذه الحالة ليست في أن القوى السياسية تتفاوض لتشكيل حكومة؛ فهذا جزء طبيعي من الأنظمة البرلمانية. السؤال هو ما الذي يحدث عندما تصبح التوافقات اللاحقة للانتخابات قادرة على إعادة توزيع السلطة بطريقة تفصل، بصورة كبيرة، بين ما يختاره الناخبون وبين من يحصل على السلطة وماذا يفعل بها.
وهذا يقود إلى سؤال أعمق: ماذا يعني تداول السلطة إذا كانت القوى الخاسرة انتخابياً تستطيع العودة إلى مواقع السلطة عبر التوافقات السياسية؟ وماذا يعني الاختيار الانتخابي إذا لم يكن تغيير النتائج قادراً على تغيير قواعد توزيع النفوذ؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الانتخابات بلا قيمة. على العكس، الانتخابات تظل آلية أساسية للتمثيل والمنافسة السياسية. لكن، كما يقول سعيد، لا يمكن اعتبار الانتخابات وحدها دليلاً كافياً على ديمقراطية النظام؛ فالديمقراطية، في هذا التصور، تُقاس أيضاً بمخرجات النظام وقدرته على ضمان الحقوق والحريات العامة.
تشرين: ماذا يحدث عندما يخرج الاختلاف من الصندوق؟
كانت تظاهرات تشرين أحد أكبر الاختبارات لهذه العلاقة بين الانتخابات والمجال العام. فقد خرج المحتجون إلى الشارع مطالبين بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، ثم تحولت الاحتجاجات إلى مواجهة واسعة مع مؤسسات الدولة وأطراف مسلحة.
وبعيداً عن الخلاف السياسي حول توصيف الاحتجاجات، وثقت بعثة الأمم المتحدة في العراق بين تشرين الأول 2019 وأيار 2021 عشرات الهجمات المستهدفة ضد محتجين وناشطين. وسجلت 48 حادثة قتل أو محاولة قتل مستهدف، أدت إلى مقتل 32 شخصاً وإصابة 21 آخرين، إضافة إلى اختطاف 32 محتجاً وناشطاً، ظل 20 منهم مفقودين حتى أيار 2021.
الأهم أن الأمم المتحدة استخدمت تعبير «عناصر مسلحة غير محددة»، موضحة أن المصطلح يشير إلى جهات مسلحة لا يمكن تحديدها بوضوح باعتبارها من قوات الأمن الحكومية النظامية، وأن ذلك لا يستبعد احتمال وجود صلات بينها وبين الدولة أو أحزاب سياسية.
لهذا ظل تعبير «الطرف الثالث» حاضراً في النقاش العراقي. فهو يصف جهة مسلحة لم تُحدد علناً، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: من هي هذه الجهات؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن وفر الحماية؟ ومن كان قادراً على تعطيل التحقيق أو منع وصول القضية إلى نهايتها القضائية؟
وفي عام 2022، قالت الأمم المتحدة إن لجان التحقيق القضائية سجلت 8,163 قضية مرتبطة بأعمال العنف والانتهاكات خلال التظاهرات، لكن عدداً محدوداً فقط من التحقيقات انتقل إلى المحاكمة والإدانة، فيما لم تتجاوز القضايا التي وصلت إلى المحاكمة والإدانة في التقرير السابق حالتين تخصان عناصر منخفضة الرتبة من الشرطة.
من هنا تصبح قضية تشرين مرتبطة مباشرة بما يصفه سعيد بأزمة سيادة القانون. فإذا كانت القاعدة الديمقراطية تفترض أن القانون يسري على الجميع، فإن عدم الوصول إلى المسؤولين عن جرائم خطيرة، أو بقاء هوية الفاعلين مجهولة بعد سنوات، لا يمثل مشكلة أمنية فقط؛ بل يطرح سؤالاً عن قدرة المؤسسات الديمقراطية نفسها على إنتاج المساءلة.
السلاح: ليس السؤال كم قطعة سلاح، بل من يأمر باستخدامها
في النقاش العراقي حول السلاح، غالباً ما ينصرف الاهتمام إلى نوع السلاح وحجمه ومكان تخزينه. لكن السؤال السياسي الأعمق مختلف: من يقرر استخدام القوة؟
الدستور العراقي يضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت سلطة مدنية، وينص على حظر تشكيل الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، كما يمنح رئيس مجلس الوزراء موقع القائد العام للقوات المسلحة.
وبذلك، فإن حصر السلاح في الدولة لا يتعلق فقط بنقل بندقية أو صاروخ من مكان إلى آخر. جوهر المسألة هو أن يكون قرار استخدام القوة نفسه خاضعاً للمؤسسات الدستورية والقانونية للدولة.
يمكن أن تكون هناك قوة مسلحة مرتبطة بمؤسسة رسمية، وأن يحمل أفرادها رتباً ويتلقوا رواتب من الدولة، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً إذا كان قرار تحريك القوة أو تحديد العدو أو توقيت استخدام السلاح يخضع لمرجعية أخرى.
وهذا هو الفارق بين دمج حامل السلاح ودمج قرار السلاح.
فإذا دخل حامل السلاح إلى مؤسسة الدولة، لكن بقي القرار العسكري خارج سلسلة القيادة الرسمية، فإن عملية الدمج تظل ناقصة من زاوية مفهوم احتكار الدولة لاستخدام القوة.
ولهذا تكتسب التطورات الحالية في ملف السلاح أهمية تتجاوز مسألة نزع السلاح نفسها. فقد انتقلت الحكومة العراقية من موعد أولي كان محدداً في 30 أيلول 2026 إلى خطة مرحلية تمتد حتى 30 حزيران 2027 لإتمام نقل الأسلحة خارج سيطرة الدولة، وفق ما أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي في أيلول.
لكن حتى هذه الخطة تعيد السؤال نفسه: ماذا يعني أن يصبح السلاح تابعاً للدولة؟
هل يكفي تسجيله وتسليمه إلى مؤسسة رسمية؟ هل يكفي إدخال عناصر الفصائل في المؤسسات الأمنية؟ أم أن المعيار الحقيقي هو أن يصبح قرار استخدام القوة، وحدود استخدامها، والجهة التي تحدد الخصم، والوقت الذي تستخدم فيه، خاضعاً لسلسلة قيادة واحدة ومعلومة؟
من «المقاومة» إلى «الطرف الثالث»
لهذا تكتسب عبارة العامري بشأن تشرين أهمية سياسية، بصرف النظر عن تفسير القائل لها. فهي تقدم توصيفاً مختلفاً لدور «المقاومة» في أحداث تشرين: لم تكن، وفق عبارته، جهة خارج المشهد، بل جهة يقول إنها واجهت «فتنة تشرين» وحافظت على الدولة والنظام السياسي.
لكن العبارة لا تجيب وحدها عن السؤال القضائي حول المسؤولية عن جرائم محددة، ولا تثبت أن جهة بعينها ارتكبت كل الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة.
ما تفعله، بدلاً من ذلك، هو إعادة فتح سؤال ظل قائماً منذ 2019: إذا كانت هناك قوى مسلحة شاركت في مواجهة الاحتجاجات دفاعاً عن الدولة والنظام السياسي، فكيف يمكن التمييز بينها وبين «العناصر المسلحة غير المحددة» التي وثقتها الأمم المتحدة؟ ومن كان يملك القرار في استخدام القوة؟ وهل كانت هذه القرارات جزءاً من سلسلة القيادة الرسمية للدولة أم اتُخذت خارجها؟
وهنا تلتقي تشرين مع النقاش حول الديمقراطية.
فالديمقراطية لا تختبر فقط في لحظة التصويت، وإنما أيضاً في اللحظة التي يختلف فيها المواطن مع السلطة. إذا كان الاختلاف يُحسم عبر الانتخابات والقانون والقضاء، فإن المؤسسات هي التي تدير الصراع السياسي. أما إذا كان السلاح يستطيع أن يدخل إلى هذا الصراع بوصفه طرفاً مستقلاً، فإن السؤال لا يعود فقط: من فاز في الانتخابات؟ بل: من يملك القوة التي تحدد حدود الممكن سياسياً؟
الصندوق وحده لا يكفي
ربما تكمن أهمية تجربة العراق بعد 2003 في أنها تتيح النظر إلى الديمقراطية باعتبارها أكثر من مجموعة إجراءات انتخابية.
انتخابات منتظمة، وبرلمان، وحكومات تتشكل وفق إجراءات دستورية، لا تعني تلقائياً أن الديمقراطية قد ترسخت. فترسيخ الديمقراطية يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع، وفصل حقيقي بين السلطات، وحماية المجال العام، وضمان الحريات، وإتاحة المنافسة السياسية، وربط السلطة بالمساءلة.
وهذا هو جوهر التمييز الذي يطرحه حيدر سعيد بين الانتقال الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية. فالعراق، في تقديره، حافظ على الانتخابات لكنه لم يحافظ بالقدر نفسه على المكونات الأخرى للنظام الديمقراطي. كما يشير إلى تراجع الحريات وفاعلية المجتمع المدني، وإلى استمرار مشكلات سيادة القانون والفصل بين السلطات.
وعندما توضع هذه العناصر بجانب تجربة تشرين، ونظام المحاصصة، ومسألة السلاح، تظهر مشكلة واحدة بأوجه متعددة.
فالانتخابات تجيب عن سؤال: من يمثل الناس؟
والمحاصصة تطرح سؤالاً آخر: كيف توزع السلطة بعد الانتخابات؟
وتشرين طرحت سؤالاً ثالثاً: ماذا يحدث عندما يخرج الاختلاف السياسي إلى الشارع؟
أما السلاح فيطرح السؤال الأكثر حساسية: من يملك القوة عندما يفشل التوافق السياسي؟
لا توجد إجابة ديمقراطية على هذه الأسئلة إذا بقيت الانتخابات منفصلة عن سيادة القانون، وبقيت سيادة القانون منفصلة عن المساءلة، وبقي قرار استخدام القوة خارج إطار الدولة.
في النهاية، قد تتغير القوانين، وتتغير أسماء الأحزاب، وتتغير التحالفات، وقد يدخل مسلحون إلى مؤسسات الدولة أو يتحولون إلى قادة سياسيين. لكن الاختبار الأكثر وضوحاً يبقى أبسط من كل ذلك:
عندما يُتخذ قرار استخدام القوة، من الذي يملك حق اتخاذه؟
لأن معنى الديمقراطية لا يظهر فقط فيمن يدخل الصندوق، وإنما أيضاً فيمن يملك القرار بعد إغلاقه.
