
في أحد شوارع حلبجة، بقيت امرأة ممددة على الأرض وذراعها ما زالت تحتضن طفلها.
لم يكن هناك دمار يشبه ما تتركه القنابل التقليدية. لم تكن هناك نيران تلتهم البيوت.
لكن المدينة كانت صامتة بشكل غير طبيعي.
الجثث كانت في كل مكان: عند أبواب المنازل، في الأزقة، وعلى الطرقات التي حاول الناس الهرب عبرها قبل أن يتوقف كل شيء فجأة.
لم يكن القاتل قنبلة.
كان الهواء نفسه.
في السادس عشر من آذار عام 1988، تعرضت مدينة حلبجة في شمال العراق لهجوم بالأسلحة الكيميائية خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العراقية–الإيرانية.استخدمت في الهجوم مواد شديدة السمية مثل السارين وغاز الخردل، وانتشرت في الهواء رائحة غريبة وصفها الناجون لاحقاً بأنها تشبه رائحة التفاح.
خلال ساعات قليلة، تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر المشاهد مأساوية في تاريخ العراق الحديث. تشير التقديرات إلى مقتل نحو خمسة آلاف مدني، فيما أصيب آلاف آخرون بجروح وتشوهات دائمة. أما من تمكن من النجاة، فقد فر كثير منهم نحو الجبال القريبة باتجاه الحدود الإيرانية.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حلبجة مجرد اسم لمدينة.أصبحت رمزاً لجريمة كيميائية ضد المدنيين، وواحدة من أكثر اللحظات رسوخاً في الذاكرة الجماعية للعراقيين.لكن حلبجة لم تكن الحدث الوحيد الذي ترك أثراً عميقاً في ذاكرة البلاد.
بعد ثلاث سنوات فقط، وفي آذار عام 1991، كان العراق يعيش مرحلة أخرى من الاضطراب. فقد انتهت حرب الخليج الثانية، وعاد الجنود من الجبهة إلى مدن مثقلة بالخسائر والتوتر.
في تلك الأيام، بدأت احتجاجات في جنوب العراق سرعان ما تحولت إلى انتفاضة واسعة.تشير روايات عديدة إلى أن الشرارة الأولى وقعت عندما عبّر جنود عائدون من جبهة الكويت عن غضبهم بسبب غياب وسائل النقل التي تعيدهم إلى مدنهم. لكن تلك الحادثة جاءت في سياق اجتماعي وسياسي كان مشحوناً أصلاً بالاحتقان.
خلال أيام قليلة، امتدت الاحتجاجات إلى عدة مدن في الجنوب. خرج السكان إلى الشوارع، وسقطت بعض المدن خارج سيطرة الحكومة لفترة قصيرة. في بعض الأماكن حُطمت صور الرئيس صدام حسين، وأُطلق سراح سجناء من بعض المرافق، فيما شهدت مناطق أخرى حالة من الفوضى واحتراق المباني العامة.
لكن الرد جاء سريعاً وقاسياً.شنت القوات الحكومية حملة عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على المدن مستخدمة المدفعية الثقيلة والقصف الصاروخي. تعرضت أحياء سكنية للقصف، واضطر كثير من السكان إلى الاختباء أو النزوح مؤقتاً هرباً من القتال.
وبعد نحو أسبوعين، انتهت الانتفاضة بعودة سيطرة الحكومة على المدن. وتشير تقديرات مختلفة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا قد تصل إلى نحو مئة ألف شخص.سنوات طويلة مرت بعد تلك الأحداث، لكن آثارها لم تختفِ.فبعد عام 2003، بدأت فرق عراقية ودولية بالعثور على مقابر جماعية في مناطق مختلفة من البلاد. في تلك الحفر التي ظلت مخفية لسنوات، ظهرت بقايا بشرية أعادت فتح أسئلة مؤلمة حول ما حدث خلال تلك المرحلة.لم تعد تلك القصص مجرد روايات يرويها الناجون.أصبحت أدلة مادية على تاريخ من الانتهاكات التي طالت فئات واسعة من المجتمع العراقي.
وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن لمجتمع عاش مثل هذه التجارب أن يتعامل مع ذاكرته؟
في العراق، كثيراً ما استُحضرت جرائم الماضي في الخطاب السياسي بعد عام 2003. لكن هذا الاستحضار لم يتحول دائماً إلى مشروع وطني شامل لحفظ الذاكرة. ففي أحيان كثيرة جرى استخدام تلك الأحداث بوصفها أدوات في الصراع السياسي، أكثر من كونها أساساً لعمل مؤسسي طويل الأمد.
ورغم أن الأرشيف العراقي يُفترض أن يحتوي على وثائق وتقارير وصور توثق انتهاكات واسعة، فإن الجهود المنظمة لحفظها ما تزال محدودة. لا توجد حتى الآن مشاريع وطنية واسعة لإنشاء متاحف للذاكرة أو مراكز توثيق مستقلة تجمع الشهادات والوثائق المرتبطة بتلك المرحلة، باستثناء بعض التجارب الموجودة في إقليم كردستان.
إن حفظ الذاكرة لا يعني إعادة فتح الجروح، ولا استحضار الماضي بوصفه سلاحاً سياسياً.
بل يعني الاعتراف بالحقيقة.فالمجتمعات التي مرت بتجارب عنف واسعة تحتاج إلى أن توثق تاريخها بصدق، ليس فقط من أجل الضحايا، بل أيضاً من أجل الأجيال القادمة.
في العراق، ما تزال الذاكرة مليئة بالقصص: رائحة التفاح في حلبجة، والمدن التي شهدت احتجاجات عام 1991، والمقابر الجماعية التي ظهرت بعد سنوات طويلة.هذه الأحداث ليست مجرد فصول منفصلة في التاريخ.
إنها جزء من قصة أكبر عن بلد ما زال يبحث عن طريق لحفظ ذاكرته، وعن طريقة لفهم الماضي دون أن يصبح أسيراً له.فحفظ الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، والاعتراف بمعاناة الضحايا، ليست مجرد عملية تاريخية.إنها خطوة ضرورية لبناء مستقبل لا تتكرر فيه المآسي نفسها.
