
يتجاوز قرار وزارة التربية العراقية بفتح “مكاتب تنسيقية” لهيئة الحشد الشعبي داخل مديرياتها العامة كونه إجراءً إدارياً لتسهيل المعاملات، ليصبح تحولاً بنيوياً يمس حيادية المؤسسة التعليمية.
ففي 6 نيسان 2026، أصدرت الوزارة كتاباً يُلزم مديرياتها في بغداد والمحافظات بتخصيص وتجهيز مكاتب دائمة للهيئة، في خطوة أثارت تساؤلات عميقة حول “الولاء” داخل الفضاء التربوي العراقي.
تتمسك وزارة التربية بتوضيحها الصادر في 13 نيسان 2026، مؤكدة أن الهدف هو “تسهيل معاملات عوائل شهداء الحشد”. غير أن هذا التبرير يصطدم بمفارقة “التمييز المؤسسي”؛ فإذا كان الهدف إنسانياً وخدمياً، فإن المنطق الإداري يستوجب تعميم هذه المكاتب لتشمل عوائل شهداء الجيش والشرطة وسائر الأجهزة الأمنية. إن تخصيص “الحشد الشعبي” وحده بهذه الميزة داخل وزارة مدنية يُرسّخ انطباعاً بوجود “سلطة موازية” تتمتع بامتيازات استثنائية تتجاوز الهياكل البيروقراطية المعتادة.
هذا التمييز لا يقتصر على الأجهزة الأمنية فحسب، بل يمتد ليشمل الفضاء المدني؛ ففي الوقت الذي تُمنع فيه منظمات المجتمع المدني (المحلية والدولية) من ممارسة أي نشاط داخل المؤسسات التعليمية، يُمنح الحشد الشعبي بصفته جهة أمنية ذات طابع عقائدي مكاتب رسمية دائمة، مما يكشف عن ازدواجية في إدارة الفضاء العام التعليمي.
يستحضر وجود مكاتب أمنية داخل مديريات التربية ذاكرة “تسييس التعليم” في عهد النظام السابق، حيث استُخدمت المؤسسات التربوية (عبر منظمات مثل طلائع البعث) لتنشئة الأجيال على ولاءات فكرية محددة. إن إدخال طرف مرتبط بصراعات مسلحة وأيديولوجية واضحة إلى بيئة تعليمية يفترض أن تكون “محمية وحيادية” يفتح الباب أمام التأثير في الأطفال واليافعين في مرحلة تشكّل هويتهم الفكرية.
إن المفارقة هنا تكمن في تحويل مديرية التربية من مرفق عام لتقديم الخدمة التعليمية إلى مساحة للاستقطاب الفكري والسياسي. فوجود المنسقين الأمنيين داخل أروقة المديريات يمنح هذه الجهات قدرة على النفاذ إلى البيانات، والتأثير في القرارات الإدارية، ورسم ملامح البيئة المدرسية بما يخدم توجهاتها، مما يهدد استقلالية القرار التربوي.
يطرح القرار إشكالية قانونية تتعلق بصلاحيات “حكومة تصريف الأعمال”. فوفقاً لقرارات المحكمة الاتحادية، تقتصر مهام هذه الحكومات على “تسيير الشؤون اليومية” ولا تشمل اتخاذ قرارات ذات طابع هيكلي دائم أو تغير في البنية الإدارية للدولة.
إن فتح مكاتب لجهة أمنية داخل وزارة مدنية يُعد قراراً استراتيجياً يتجاوز مفهوم “تصريف الأعمال”، ويفتقر إلى سند قانوني واضح في قانون وزارة التربية النافذ.
وعلى الصعيد الأمني، فإن وجود جهة عسكرية داخل مؤسسات تعليمية يرفع من منسوب المخاطر؛ إذ قد تتحول هذه المديريات إلى أهداف محتملة في ظل التوترات الإقليمية والمحلية، مما يعرض حياة الموظفين والمراجعين والطلبة للخطر.
إن تفكيك دلالات هذا القرار يكشف عن توجه نحو “عسكرة ناعمة” للمجتمع، تبدأ من المدرسة والمديرية. إن استعادة حيادية التعليم تتطلب فصلاً حقيقياً بين العمل الإداري والخدمي وبين الانتماءات الأمنية والعقائدية. وبدون ذلك، سيبقى الفضاء التربوي العراقي ساحة للصراع على “صناعة الولاءات”، بدلاً من أن يكون حاضنة لبناء المواطنة الواعية والمستقلة.
