
في مشهد سياسي عراقي معقّد، تتصاعد المخاوف بشأن مآلات الملفات الأمنية والحقوقية، في ظل الضغوط التي تحيط بمؤسسة رئاسة الجمهورية منذ مراحل اختيارها. وقد أعادت تصريحات عدد من النواب، التي ربطت التصويت بتعهدات تتعلق بتنفيذ أحكام قضائية وتسليم مطلوبين، طرح تساؤلات جدية حول استقلالية القرار القضائي وإمكانية تأثره بالتفاهمات السياسية.
قبيل جلسة التصويت على رئيس الجمهورية نزار آميدي، أعلن النائبان علاء الحيدري وأحمد الشهيد، عبر حساباتهما الرسمية، رفضهما التصويت ما لم تُقدَّم تعهدات واضحة بـ"تسليم جميع المطلوبين للقضاء الموجودين في إقليم كوردستان". وذهب الحيدري أبعد من ذلك بلهجة حادة " والعباس ما اعوفكم" .
هذه التصريحات تعكس إشكالية أعمق تتعلق بمدى خضوع القضايا الحقوقية، بما في ذلك تنفيذ أحكام الإعدام وتسليم المطلوبين، لمنطق التفاوض السياسي. إذ إن إدراج هذه الملفات ضمن سياق الصفقات والتفاهمات قد يُقوّض مبدأ سيادة القانون، ويفتح الباب أمام استخدام العدالة كأداة لتحقيق مكاسب سياسية.
في هذا السياق، وثّقت تقارير هيومن رايتس ووتش تصاعداً ملحوظاً في وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام في العراق، مشيرةً إلى غياب الشفافية في بعض الإجراءات، وعدم إخطار ذوي المحكوم عليهم أو محاميهم مسبقاً، فضلاً عن ادعاءات متكررة بشأن انتزاع اعترافات تحت التعذيب أو الإكراه. وتثير هذه المعطيات تساؤلات جدية حول مدى التزام النظام القضائي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وتكشف الأرقام عن حجم التحدي، إذ أُعدم 13 رجلاً في سجن الناصرية في 25 ديسمبر/كانون الأول 2023، في أول عملية إعدام جماعي منذ تنفيذ حكم مماثل بحق 21 رجلاً في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. كما يُقدَّر عدد المحكوم عليهم بالإعدام والمنتظرين التنفيذ بنحو 8 آلاف شخص، يعيش كثير منهم في ظروف احتجاز صعبة تثير قلق المنظمات الحقوقية.
في هذا الإطار، يمثل أي خلل في ضمانات المحاكمة العادلة—خصوصاً في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام—انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة، وهو حق تكفله القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
من جهة أخرى، تتزايد المخاوف بشأن أوضاع بعض النشطاء والمعارضين، لا سيما في ظل التوازنات السياسية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان. فإدراج هذه القضايا ضمن مسارات التفاوض قد يعرّض الأفراد لخطر انتهاك حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الحرية والأمان الشخصي.
أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى الفصل الواضح بين المسارات السياسية والإجراءات القضائية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الشفافية في تنفيذ الأحكام، إلى جانب احترام حقوق المتهمين في جميع مراحل التقاضي، بما في ذلك الحق في الدفاع وعدم التعرض للتعذيب.
في المحصلة، لا ينبغي أن تكون الحقوق الأساسية موضع تفاوض أو مساومة، بل التزاماً ثابتاً يشكّل جوهر أي نظام يسعى إلى ترسيخ العدالة وسيادة القانون. وبين ضغوط التوافقات السياسية وتحديات الواقع الأمني، تبقى التساؤلات مفتوحة: هل تتجه المرحلة المقبلة نحو تصعيد في تنفيذ أحكام الإعدام وتسليم المطلوبين؟ أم أن هناك فرصة لإعادة التوازن بين ضرورات الأمن واحترام حقوق الإنسان؟
