
يمثل تسريب كتاب رسمي من داخل هيئة إعلام الحشد الشعبي، يقضي بإنهاء تعاقد الناشطة الرقمية زينب الخفاجي ووالدتها، لحظة كاشفة لبنية ظلت متوارية خلف شعارات "العقيدة" و"المقاومة". هذا المستند لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان المفتاح الذي فجر صمتاً دام أربع سنوات، ليكشف عن منظومة معقدة تحول الوجوه الرقمية الشابة من أصحاب رأي إلى أدوات في ماكنة تدار بالمال والترهيب.
لفهم قضية الخفاجي، يجب تفكيك الأداة المستخدمة في إدارة الفضاء الرقمي العراقي. فوفقاً لبحث "مفاهيم الجيش الإلكتروني" الصادر عن مركز البيان للدراسات والتخطيط، تحولت هذه المنظومات منذ عام 2010 إلى ركيزة أساسية في إدارة الصراع. تبرز هنا ظاهرة "الذباب الإلكتروني"؛ وهي حسابات منسقة تعمل على خلق انطباع زائف بالإجماع الشعبي وخنق الأصوات المعارضة.
وقد وثق موقع "جمار" في صيف 2025 نموذجاً حياً لهذا النشاط الممنهج؛ فخلال مساعي تمرير قانون الحشد الشعبي، انطلقت حملة رقمية ضخمة رصدت 11 ألف منشور في أسبوعين فقط، حققت وصولاً قارب 14 مليون مرة. هذا التضخم الرقمي لا يمكن تفسيره إلا بوجود بنية تقنية ممولة تهدف إلى صياغة وعي جمعي مصطنع يخدم أجندات سياسية محددة، مستخدمةً الشباب كواجهة إنسانية تمنح هذه الروايات مصداقية زائفة.
لا يمكن فصل تجنيد الشباب عن السياق الاقتصادي المأزوم في العراق؛ حيث تدفع معدلات البطالة المرتفعة وغياب مؤسسات الدولة الجامعة الشباب نحو البحث عن "ملاذات" توفر الدخل والحماية. هنا تبرز "الزبائنية الرقمية" كعلاقة نفعية غير متكافئة؛ حيث ترهن الجهة الممولة ولاء الفرد مقابل المال والنفوذ، محولةً القناعات الفكرية إلى سلع قابلة للتداول والمقايضة.
في هذه المنظومة، لا يُطلب من الشاب الإيمان بالقضية بقدر ما يُطلب منه الالتزام بالدور المرسوم له. المال هنا ليس مجرد أجر، بل هو أداة للإقصاء والضبط؛ فبمجرد خروج الفرد عن المسار المحدد، تتحول الماكنة التي كانت تدعمه إلى أداة لتصفيته معنوياً، وهو ما كشفته شهادة الخفاجي حين تحدثت عن طلبات بفتح حسابات وهمية للدفاع عن الهيئة ومهاجمة خصومها، وهو نمط يهدف إلى بناء "غطاء مصداقية" للمحتوى الممول.
تتجاوز آليات الضغط حدود التوظيف الإعلامي لتصل إلى مرحلة الابتزاز الوجودي. فشهادة الخفاجي حول تعرضها للتهديد بالقتل والطعن، ومطالبتها بالصمت مقابل تركها وشأنها، تكشف عن الوجه المظلم لهذه المنظومة. هذا النمط ليس معزولاً؛ فقد واجهت المحامية والناشطة زينب جواد مصيراً مشابهاً في تموز 2025، حين تم اعتقالها وتسريب صورها الخاصة بعد انتقادها لسطوة الأجهزة الأمنية، في محاولة واضحة لكسر إرادتها عبر "الاغتيال المعنوي".
تعمل هذه المنظومة وفق ثلاثة محاور متكاملة:
1.التجنيد القسري: استثمار الحضور الرقمي للشباب وتوظيفه لخدمة أجندات محددة.
2.الاستتباع المالي: ربط البقاء المادي بالولاء المطلق، وجعل المعارضة ذات تكلفة باهظة.
3.الابتزاز الممنهج: استخدام الخصوصية والتهديد كأدوات لضمان الصمت ومنع الانشقاق.
تطرح هذه الشهادات تساؤلات جوهرية حول دور القضاء العراقي في مواجهة تغول الهيئات التي تعمل فوق القانون. إن الحماية المؤسسية التي تتمتع بها هذه المنظومات تجعل من المساءلة أمراً شبه مستحيل، مما يكرس سياسة "تكميم الأفواه" ويحول الفضاء الرقمي من ساحة للحوار إلى ثكنة للمراقبة والابتزاز.
إن شهادة زينب الخفاجي، رغم كونها كانت جزءاً من هذه المنظومة في مرحلة ما، تظل وثيقة بالغة الأهمية لتشريح آليات العمل الداخلية. إنها تضع الرأي العام أمام حقيقة واضحة: أن "اقتصاد الولاء" في العراق لا يبني دولة، بل يبني شبكات مصالح تستخدم الشباب كوقود لحروبها الرقمية، وتتخلص منهم بمجرد انتهاء صلاحيتهم أو استعادة وعيهم.
