بين أزمات اقتصادية خانقة وتصعيد أمني يستهدف الفضاء الرقمي، يحلل هذا التقرير، استناداً إلى بيانات وتقارير من السياقين العراقي والمصري، أوجه التشابه في كيفية مواجهة الحكومتين للأصوات المعارضة والمنتقدة لسياسات سوء الإدارة والفساد.

يدخل العراق ومصر مرحلة جديدة من التحديات، حيث يبرز التساؤل حول مدى استنساخ التجربة المصرية في العراق، ليس فقط على مستوى إدارة الأزمات المعيشية، بل وأيضاً في توظيف القوانين الفضفاضة لتكميم الأفواه. فبينما تواجه مصر انهياراً متواصلاً في مؤشراتها الاقتصادية، يبدو أن الحكومة العراقية بدأت تتبنى مقاربات مشابهة تقوم على تحميل المواطن كلفة الإخفاق الحكومي، مع تشديد القبضة على منصات التواصل الاجتماعي بوصفها المتنفس الأخير للمعارضة.

 

الهروب إلى الأمام: إدارة الأزمة بالصمت والرسوم

تواجه مصر منذ سنوات أزمة اقتصادية لم تعد خافية على أحد، حيث انعكست بشكل حاد على القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية. وفي خضم هذا الانهيار، برز الخطاب الرسمي المصري بمقاربة تدعو المواطنين للتكيف بدلاً من معالجة الجذور البنيوية للأزمة؛ فجاء تصريح الرئيس السيسي "الحاجة اللي تغلى متشتروهاش" ليعكس رغبة في تحميل الأفراد مسؤولية الفشل في مراجعة السياسات المالية العامة.

في المقابل، تبرر الحكومة المصرية إخفاقها بعوامل خارجية مثل جائحة كورونا والحرب الروسية-الأوكرانية، متجاهلة أن دولاً أخرى واجهت التحديات ذاتها دون أن تصل إلى هذا المستوى من التدهور المعيشي. هذا الخطاب يثير تساؤلات جدية حول مدى مراعاة هذه السياسات لمبادئ العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية الأساسية.

أما في العراق، فإن المشهد لا يختلف كثيراً من حيث النتيجة، وإن اختلف في الأسلوب. فالحكومة العراقية لا تزال تفضل الغموض وتجهيل الشارع بشأن الواقع المالي، وهو نهج موروث منذ عام 2003 يعتمد على الحلول المؤقتة لكسب الوقت. ومع تزايد ملامح الأزمة، اتجهت بغداد نحو فرض رسوم كمركية وضرائب جديدة وترشيد الإنفاق داخل المؤسسات، وهي إجراءات تبدو في ظاهرها إصلاحية، لكنها في العمق تأتي للتغطية على سنوات من هدر المال العام وصفقات الفساد وغسيل الأموال التي قوضت الاقتصاد الوطني.

ومع تعقد الأوضاع الجيوسياسية، يُتوقع أن تزداد الضغوط على العراق، خاصة مع تقلبات أسواق الطاقة. وهنا تبرز الرؤية القاصرة للحكومات المتعاقبة التي تستخدم التعيينات والرسوم كأدوات لامتصاص الغضب الشعبي مؤقتاً خلال الدورات البرلمانية، دون امتلاك رؤية استراتيجية لبناء دولة مستدامة. الفارق الوحيد أن القاهرة واجهت شعبها بخطاب مباشر، بينما لا تزال بغداد تراوغ بالمصطلحات، لكن المواطن في كلتا الحالتين هو من يدفع الثمن وحده.

 

تسييس الأخلاق: منصات التواصل تحت المقصلة

على الصعيد الحقوقي، شهدت مصر منذ عام 2020 تصعيداً لافتاً في الملاحقات الأمنية التي استهدفت صنّاع المحتوى الرقمي تحت لافتة "حماية قيم الأسرة المصرية". هذه الحملات، التي قادتها النيابة العامة بناءً على بلاغات "تطهير المجتمع"، أسفرت عن أحكام قاسية وصلت للسجن عشر سنوات وغرامات باهظة. ومن منظور دستوري، تثير هذه الإجراءات إشكاليات كبرى، كونها تستند إلى نصوص فضفاضة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تفتقر لتعريفات دقيقة، مما يجعلها أداة طيعة للتأويل السياسي والقمع الأخلاقي.

العراق لم يكن بعيداً عن هذا المسار، حيث أطلقت وزارة الداخلية منصة "بلّغ" لتلقي الشكاوى ضد ما وصفته بـ "المحتوى الهابط" الذي يسيء للذوق العام. وخلال فترة وجيزة، تحولت هذه المنصة إلى وسيلة لتحريك عشرات الدعاوى القضائية العشوائية ضد أصحاب المحتوى، دون معايير واضحة للتجريم.

اعتمدت السلطات العراقية في ملاحقاتها على المادة (403) من قانون العقوبات لعام 1969، وهي مادة تعاقب على ما يسمى "الإخلال بالحياء أو الآداب العامة". وكما هو الحال في مصر، فإن غياب التعريفات الدقيقة لهذه المفاهيم جعل القانون وسيلة للاستخدام الانتقائي والترهيب المجتمعي. وقد برز ذلك بوضوح في قضية "أم فهد" وغيرها من الشخصيات التي استُهدفت تحت غطاء أبوي أخلاقي يهدف لفرض نموذج مجتمعي واحد وتسييس المجال العام.

إن هذا التوجه يثير مخاوف حقيقية من تعارضه مع المادة (38) من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير. فبدلاً من حماية الفضاء الرقمي، تحولت القوانين إلى أدوات لتقييد التنوع الثقافي وخلق مناخ من الخوف، حيث تقتضي المعايير الدولية أن أي تقييد للحريات يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً ومحدداً بدقة، لا أن يُترك للمزاج السلطوي.

حصار الكلمة: الصحافة بين القمع والتهديد

في سياق حرية الصحافة، تعيش مصر تدهوراً غير مسبوق، حيث تحول الإعلام إلى مجرد ناقل للبيانات الرسمية في ظل غياب التعددية. الملاحقات المنهجية زجت بعشرات الصحفيين في السجون، مما جعل مصر تتذيل المؤشرات الدولية، حيث احتلت المرتبة 170 من أصل 180 دولة في مؤشر "مراسلون بلا حدود" لعام 2025. وتعد قوانين مكافحة الإرهاب وتقنية المعلومات أدوات رئيسية في هذا الحصار، حيث تُستخدم تهمة "تهديد الأمن القومي" الفضفاضة لحجب المواقع وتقييد العمل الصحفي المستقل.

في العراق، يواجه الصحفيون والناشطون مخاطر من نوع آخر، تتمثل في بيئة أمنية معقدة يسيطر عليها السلاح المنفلت وتعدد مراكز النفوذ. الانتهاكات هنا تشمل التهديد، القتل، والاختفاء القسري، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب التي تجسدت في قضايا مثل اختطاف الناشط سجاد العراقي.

وإلى جانب التهديد الأمني، برز استخدام "الدعاوى القضائية" كأداة بديلة للقمع، حيث تُحرك قضايا "السب والقذف" و"التشهير" استناداً لمواد قانونية موروثة من حقبة الاستبداد. ويزداد القلق مع محاولات تشريع قوانين جديدة لتنظيم حرية التعبير، تحمل في طياتها نصوصاً تهدف لتكميم الأفواه وتقليص المساحات المدنية. لقد وثقت التقارير الحقوقية مئات الانتهاكات ضد الصحفيين في العراق خلال عام 2025، مما يؤكد أن استمرار هذه البيئة القمعية يقوض أي مسار حقيقي للديمقراطية والمساءلة.

يبقى السؤال قائماً: هل ستستمر الحكومة العراقية في استنساخ النموذج المصري القائم على تحميل المواطن كلفة الفشل الاقتصادي مع تشديد القبضة الأمنية على الحريات؟ إن معالجة الأزمات لا تمر عبر تكميم الأفواه أو فرض الرسوم، بل من خلال إصلاحات بنيوية عادلة وضمانات قانونية حقيقية تحمي كرامة الإنسان وحقه في التعبير.