
في جنوب العراق، حيث تمتد أهوار العمارة ضمن المنظومة البيئية التي أُدرجت عام 2016 على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، يواجه السكان المحليون والمدافعون عن البيئة معركة غير متكافئة. هنا، لا تتقاطع المياه بالنفط فحسب، بل تتقاطع حقوق الإنسان بالسياسات الاقتصادية الكبرى، وتتحول "قائمة التراث العالمي" إلى مجرد حبر على ورق أمام زحف الآبار النفطية. يتتبع هذا التحقيق قصة تحويل الأهوار إلى حقول نفطية، والأثر المدمر لذلك على المجتمعات المحلية، والمخاطر التي يواجهها المدافعون عن البيئة في ظل تضييق ممنهج.
من "الإيشان" إلى الصحراء
وُلد مرتضى الجنوبي ونشأ في قلب أهوار العمارة، في "إيشان" تحيط به المياه من كل جانب. بالنسبة له، لم تكن الأهوار مجرد تضاريس جغرافية، بل كانت "هوية وانتماء وجذور". تعلم الصيد والعمل في القصب كمهنة توارثها عن أجداده، وتربى على إيقاع الحياة الذي تفرضه الطبيعة. يقول مرتضى: "كبرنا في الماء والقصب، والأهوار ليست مكاناً نعيش فيه فقط، بل هي تفاصيل حياتنا الأولى التي لا نستطيع العيش خارجها".
هذا الارتباط العضوي بالمكان هو ما جعل فكرة اندثار الأهوار كابوساً لا يمكن تقبله. لكن الواقع كان يفرض نفسه بقسوة؛ فالمساحات التي كانت تضج بالحياة بدأت تتحول تدريجياً إلى أراضٍ قاحلة. لم يكن الجفاف مجرد ظاهرة طبيعية ناتجة عن التغير المناخي، بل كان، بحسب شهادات السكان والمدافعين، نتيجة لسياسات واضحة بدأت بقطع الإطلاقات المائية وانتهت بقرارات استثمارية نفطية.
تمهيد الأرض للنفط
بدأت الأزمة بتقليص الحصص المائية الواصلة إلى الأهوار، وهو ما دفع الناشطين في البداية للمطالبة بحقوق عادلة في المياه وإنعاش المنطقة. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن هناك مساراً أعمق يجري التخطيط له. يصف مرتضى هذا المسار بأنه "انتقال تدريجي من التجفيف إلى التحويل النفطي".
في عام 2023، أُعلن رسمياً عن تحويل منطقة هور الحويزة — وهو أحد أهم المسطحات المائية المدرجة ضمن التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 2016 — إلى حقل نفطي (حقل الحويزة النفطي). يرى المدافعون أن الجفاف لم يكن عرضياً، بل كان خطوة تمهيدية لتسهيل دخول الشركات النفطية. يقول مرتضى: "كان الجفاف واضحاً، ثم جاءت خطوة تحويله إلى حقل نفطي، وكأن الأمر كان مخططاً له لإقصاء منطقة الأهوار وتحويلها من مساحات طبيعية إلى حقوق نفطية".
هذا التحول يعني عملياً إلغاء الصفة البيئية والثقافية للمنطقة لصالح الامتيازات الاقتصادية. فبينما تفرض اليونسكو معايير صارمة للحفاظ على التنوع الحيوي والنظام البيئي، تبدو السياسات المحلية متجهة نحو استنزاف الموارد الباطنية بغض النظر عن الأثر السطحي.
الأثر المدمر: انهيار الحياة وهجرة الإنسان
لم تكن خسارة الأهوار مجرد خسارة للمناظر الطبيعية، بل كانت زلزالاً ضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للجنوب. تشير البيانات الميدانية وشهادات المدافعين إلى أن الأثر كان كارثياً على مستويات عدة:
1-انهيار الثروة الحيوانية: سجلت المناطق المتضررة نفوقاً في الجاموس تجاوزت نسبته 70% في بعض القرى. الجاموس، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد سكان الأهوار، لم يعد يجد مياهاً صالحة للشرب أو نباتات للرعي، مما أدى إلى إفلاس آلاف العوائل.
2-اندثار الثروة السمكية: مع جفاف المسطحات المائية وارتفاع الملوحة في الأجزاء المتبقية، انعدمت فرص الصيد التقليدي، وهو المصدر الغذائي والمالي الثاني للسكان.
3-الهجرة القسرية: اضطرت آلاف العوائل إلى مغادرة مناطق سكناها التاريخية والنزوح نحو مراكز المدن أو أطرافها، حيث يعيشون في ظروف قاسية بعيداً عن نمط حياتهم الأصلي، مما يؤدي إلى تفكك المجتمعات الأهوارية وضياع إرثها الثقافي.
4-المخاطر الصحية: التوسع النفطي داخل الأهوار جلب معه ملوثات خطيرة. يتحدث السكان عن زيادة ملحوظة في الأمراض السرطانية، الفشل الكلوي، والأمراض التنفسية الناتجة عن الانبعاثات الغازية وتلوث المياه بالمواد الكيميائية المستخدمة في عمليات الاستخراج والحقن.
يقول مرتضى: "من المؤلم أن ترى تاريخك يُمحى أمامك ويتحول إلى مشاريع نفطية، بينما يُطلب منك الصمت. نحن لا نفقد الماء فقط، نحن نفقد وجودنا".
إشكالية الفضاء المدني
في ظل هذه الكارثة، يبرز تساؤل جوهري حول دور منظمات المجتمع المدني والنشاط البيئي في العراق. يوجه مرتضى انتقادات لاذعة لما يصفه بـ "النشاط البيئي السلطوي". فبحسب تجربته، تحول جزء كبير من العمل المدني إلى "أبواق للسلطة" أو مجرد أدوات لتنفيذ مشاريع ممولة دولياً لا تمس جوهر المشكلة.
يرى مرتضى أن التمويل الدولي، الذي يُقدر بمئات ملايين الدولارات، خلق سباقاً نحو "المشاريع والمنح" على حساب القضايا الحساسة سياسياً. المنظمات، خشية خسارة علاقتها بالحكومة أو فقدان التمويل، تتجنب الحديث الصريح عن العلاقة بين التوسع النفطي وتجفيف الأهوار. وبدلاً من ذلك، يتم تسويق الأزمة على أنها نتيجة حتمية لـ "التغير المناخي" أو سياسات دول الجوار فقط، متجاهلين القرارات المحلية المباشرة.
في عام 2023، شارك مرتضى في مؤتمر بيئي بحضور جهات مانحة ومسؤولين، وتحدث بوضوح عن "انتهاء الأهوار بسبب أطماع شركات نفطية". كانت النتيجة تهميشاً فورياً؛ حيث حُذفت مداخلته من البثوث المباشرة وتم إقصاؤه من الفعاليات اللاحقة. هذه الواقعة تعكس إشكالية أوسع تتعلق باستقلالية المجتمع المدني في البيئات التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية الكبرى بالنفوذ السياسي.
تهديدات بالقتل وملاحقات قضائية
الدفاع عن البيئة في جنوب العراق ليس مجرد نشاط طوعي، بل هو مخاطرة شخصية قد تصل إلى فقدان الحياة. يروي مرتضى سلسلة من التهديدات المباشرة التي تلقاها من شخصيات متنفذة مرتبطة بالحقول النفطية. وصلت هذه التهديدات إلى عبارات صريحة: "إما أن تسكت أو نعرف ماذا نفعل بك".
لم يقتصر التضييق على التهديد الأمني، بل امتد إلى استخدام الأدوات القانونية والوظيفية كوسيلة للإسكات:
- محكمة النشر: تعرض مرتضى لضغوط وتهديدات برفع دعاوى قضائية في محكمة النشر بعد انتقاده لناشط بيئي قام بنشر مقاطع فيديو قديمة للأهوار توحي بأنها في حالة جيدة، معتبراً ذلك تضليلاً للرأي العام.
- التهديد الوظيفي: طالت الضغوط محيطه الوظيفي، حيث تم تهديده في مصدر رزقه لإجباره على التوقف عن نشاطه الإعلامي والميداني.
- التشويه الرقمي: حملات منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى تخوين المدافعين المستقلين أو اتهامهم بتعطيل "المشاريع الوطنية".
نتيجة لهذه الضغوط، اضطر العديد من المدافعين، ومنهم مرتضى، إلى تقليل ظهورهم الإعلامي المباشر والتحدث بحذر أكبر. يقول: "أصبحنا نتحدث بحذر لأننا وحدنا تقريباً في الميدان، والصوت المستقل يمكن إسكاته بسهولة في ظل غياب الحماية الحقيقية".
التراث العالمي بلا حماية
إن إدراج الأهوار على قائمة التراث العالمي كان يُفترض أن يكون درعاً يحميها من التجاوزات. لكن الواقع يظهر فجوة هائلة بين الالتزامات الدولية والممارسات على الأرض. فبينما تفتخر الحكومة العراقية بهذا الإنجاز في المحافل الدولية، تمنح في الوقت ذاته تراخيص للتنقيب والاستخراج النفطي في قلب هذه المناطق المحمية.
يتساءل المدافعون: ما قيمة صفة "التراث العالمي" إذا كانت المجتمعات المحلية التي حافظت على هذا التراث لآلاف السنين تُهجر، وإذا كانت البيئة الفريدة تتحول إلى مناطق امتياز اقتصادي مغلقة؟ إن غياب الموقف الواضح من المنظمات الدولية والجهات المانحة تجاه التوسع النفطي داخل الأهوار يساهم في إعطاء شرعية مبطنة لهذه السياسات.
إن قضية أهوار جنوب العراق ليست مجرد قصة جفاف أو نقص مياه، بل هي صراع على الحق في الأرض، والحق في البيئة السليمة، والحق في التعبير. عندما تتحول الأهوار إلى "حقوق نفطية"، فإننا لا نفقد جغرافيا مائية فحسب، بل نفقد جزءاً أصيلاً من تاريخ البشرية ومستقبل آلاف العوائل.
إن حماية الأهوار تتطلب:
1-شفافية كاملة في القرارات المتعلقة بالموارد الطبيعية والامتيازات النفطية داخل المناطق المحمية.
2-حماية فعلية للمدافعين عن البيئة من التهديدات الأمنية والملاحقات القضائية الكيدية.
3- مراجعة دور المجتمع المدني والجهات المانحة لضمان دعم الأصوات المحلية المستقلة بدلاً من الاكتفاء بالخطابات العامة.
4- تفعيل حقيقي لالتزامات اليونسكو، ووضع حد للتوسع النفطي الذي يهدد الهوية البيئية للأهوار.
في جنوب العراق، ماتزال الاهوار تقاوم الاندثار، لكن صمودها لن يستمر طويلاً إذا ضل صوت المدافعين عنها يُخنق وإذا استمر تفضيل براميل النفط على حياة الانسان وذاكرة القصب. انها صرخة أخيرة قبل ان يبتلع النفط ما تبقى من مياه الاهوار، ويحول التراث العالمي الى ذكرى في كتب التاريخ
