
قبل عام 2014، شهدت الأنبار، إلى جانب خمس محافظات عراقية أخرى، احتجاجات طالبت بحقوق سياسية وخدمية، من بينها وقف ما وصفه المحتجون بالتمييز الطائفي، وإلغاء المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب وقانون المساءلة والعدالة.
انتهت تلك الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة بين القوات الأمنية ومسلحين من أبناء العشائر، وأفضت إلى فض الاعتصام وتعميق التوتر بين المجتمع والسلطات. وتزامنت تلك التطورات مع عوامل سياسية وأمنية أخرى ساهمت في تهيئة بيئة استغلها تنظيم داعش للتوسع داخل المحافظة.
بعد سنوات الحرب والتحرير، لا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة في الأنبار، من النزوح وتدمير البنى التحتية إلى ملف المفقودين الذي لم يُحسم بصورة شاملة. وفي ظل هذه الهشاشة، يقول ناشطون إن مساحة التعبير والعمل العام أصبحت أضيق، وإن المخاوف الأمنية والاجتماعية ما زالت تؤثر في قدرة المواطنين على الاعتراض والمطالبة بحقوقهم.
مساحة أضيق للعمل المدني
يقول الناشط عمر العلواني إن المنظمات والفرق التطوعية المحلية والدولية أدت بعد التحرير دوراً مهماً في مساعدة النازحين والمهجرين، لكن مساحة عملها بدأت، بحسب تقديره، بالتقلص تدريجياً منذ عام 2018.
ويضيف أن العلاقة بين بعض الجهات السياسية والناشطين بدأت، في مرحلة أولى، عبر اللقاءات وقنوات الحوار وفرص العمل، قبل أن تتحول، وفق وصفه، إلى وسيلة للحد من استقلالية بعض الأصوات المعارضة أو إبعادها عن المجال العام.
ويرى العلواني أن تجربة الاحتجاجات السابقة وما رافقها من نتائج أمنية وسياسية تركت أثراً عميقاً في المجتمع، وأضعفت رغبة كثير من السكان في الاحتجاج العلني.
ويقول إن تراجع الاحتجاج لا يعني بالضرورة انتهاء المطالب، بل قد يعكس الخشية من تبعات تكرار التجربة.
الاحتجاج والإعلام تحت الضغط
ولا يقتصر التضييق، بحسب ناشطين محليين، على الاحتجاج. إذ يقول العلواني إن نفوذ الجهات السياسية يمتد إلى بعض وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، بما يؤثر في مساحة انتشار المعلومات ووجهات النظر المعارضة، ويعزز حضور خطاب سياسي ذي أبعاد طائفية.
ويقول أحد المدافعين عن حقوق الإنسان إن المنتقدين للجهات السياسية النافذة يواجهون أشكالاً مختلفة من الضغط، من بينها تحريك دعاوى قضائية ضد أصوات معارضة أو ناقدة.
ويضيف أن بعض هذه الإجراءات قد تترافق مع اعتقالات علنية تنفذها قوات أمنية أو عسكرية، بما يخلق، بحسب تقديره، حالة من الردع لدى ناشطين ومواطنين آخرين.
ويشير المصدر ذاته إلى شكل آخر من الضغوط يتمثل، وفق إفادته، في نقل بعض الموظفين الذين يُنظر إليهم بوصفهم منتقدين أو غير منسجمين مع جهات نافذة إلى مناطق نائية، بينها مناطق قريبة من الحدود السورية، من دون توضيح رسمي لأسباب تلك القرارات.
5160 محاضراً ينتظرون
ومن الملفات التي يربطها المصدر بهذا المناخ قضية نحو 5160 محاضراً مجانياً، يقول إنهم ما زالوا بانتظار التثبيت رغم حصولهم، بحسب إفادته، على موافقات وتخصيصات مالية.
وقد نظم المحاضرون وقفات احتجاجية أمام مديرية تربية الأنبار للمطالبة بحقوقهم، من دون الوصول إلى حل واضح حتى الآن، وفق المصدر.
ويرى المصدر أن استمرار الملف يعكس خلافات سياسية بين أطراف متنافسة في المحافظة، بينما يتحمل المحاضرون تبعات هذا الخلاف.
ويضيف أن إحجام الحكومة المحلية عن الاستجابة لمطالبهم قد يكون مرتبطاً بخشيتها من توسع الاحتجاجات وامتدادها إلى مطالب أخرى.
واقعة دار الأنبار الثقافي
وفي المجال الثقافي، أثارت واقعة مداهمة دار الأنبار الثقافي أثناء استضافته جلسة سياسية شاركت فيها شخصيات مرتبطة بكلية المعارف الجامعة، قلقاً في أوساط محلية.
كما جرى تداول معلومات عن صدور مذكرة اعتقال بحق إحدى المشاركات، لكن لم يتسنَّ التحقق من هذه المعلومة بصورة مستقلة.
ويقول العلواني إن المداهمة قد تكون مرتبطة باستفسار أمني عن شخصية مقرّبة من أحد الأطراف السياسية، وليس باستهداف مباشر للدار.
لكن، وفق تقديره، تركت الواقعة انطباعاً لدى بعض العاملين في المجال الثقافي بأن الأنشطة العامة تخضع لمستوى من المراقبة.
ولم يصدر عن دار الأنبار الثقافي، حتى إعداد هذه المادة، بيان علني يوضح ملابسات الواقعة أو موقفه منها. ولا يمكن الجزم بسبب هذا الصمت أو ربطه بالحذر من دون إفادة مباشرة من إدارة الدار.
بين المطالبة والصمت
في الأنبار، تتقاطع آثار الحرب مع ضغوط العمل السياسي والمدني والإعلامي. وبين احتجاجات انتهت إلى مواجهات، وناشطين يقولون إن مساحة عملهم تقلصت، وموظفين يخشون تبعات التعبير عن مواقفهم، تبقى ممارسة الحق في الاحتجاج والتعبير مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات على توفير حماية واضحة وشفافة لهذه الحقوق.
فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود خلافات سياسية، بل بقدرة المواطنين على ممارسة حقهم في التعبير والتنظيم والاحتجاج من دون أن تتحول هذه الممارسة إلى مصدر لخطر أمني أو وظيفي أو اجتماعي.
